قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
الانسان في الحضارة المادية
قال تعالى : (فَخلفَ من بعدِهم خَلْفٌ أضاعوا الصّلاةَ واتّبعُوا الشّهوات ) .(مريم / 59) (ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عِوَجاً اُولئك في ضلال بَعيد ) .(ابراهيم / 3) (وإذا قيل لهم لا تُفسِدوا في الارض قالوا إنّما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) . (البقرة / 11) (يا أ يُّها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يُحييكم) .(الانفال / 24) (هو الّذي يُنزِّل على عبدهِ آيات بيِّنات ليخرجكم من الظّلمات إلى النور ) . (الحديد / 9) (إن اُريدُ إلاّ الاصلاح ما استطعت ) . (هود / 88 ) لقد تحدّث القرآن الكريم في هذه الايات عن بنية الانسان الفكرية والنفسية في المجتمع الجاهلي، مجتمع الحضارة المادية، وحذّره من السقوط في تلك الهاوية بقوله : (يا أ يُّها النّاس إنّما بغيكم على أنفسكم ) . (يونس / 23) حذّره من أ نّه سيجني نتائج عمله السيِّئ وانحرافه عن خط الحياة السويّ، حذّره من اتّباع الشهوات والانحراف عن منهج الاستقامة، المنهج الالهي . نقرأ ذلك في عدّة فقرات ، هي : (أضاعوا الصّلاة )، (اتّبعوا الشّهوات )، (ويصدّون عن سبيل الله )، (يبغـونها عِوَجاً )، (وإذا قيل لهم لا تُفسـدوا في الارض )، (قالوا إنّما نحن مُصلحون )، (ألا إنّهم هم المفسدون )، (ولكن لا يشعرون ) . إنّ دراسة وتحليل المجتمعات المادية المعاصرة يكشف تلك الحقائق بوضوح، يكشف ذلك المرض المستبطن، مرض الشهوات والانحراف والشذوذ، الذي بدأت أعراضه تظهر على بنية الحضارة المادية الحديثة بشكل ينذر بانهيارها، الحضارة التي يسعى أتباعها الى تسويقها في العالم الاسلامي، وجعلها البديل للمشروع الاسلامي، معتمدين التضليل الاعلامي، وحالة التخلّف في الحياة الاقتصادية والخدمية والتصنيعية في مجتمعات المسلمين التي هي من نتائج الهيمنة الاستعمارية، مُركِّزين حملتهم التضليلية ضدّ المشروع الاسلامي الذي جاء لينقذ الانسان من الضّلال والفساد السياسي والاخلاقي . انّهم يدركون أنّ معنى تحقّق النصر للاسلام هو تدمير مصالحهم الانانية وهيمنتهم العدوانية على العالم الاسلامي، بل وأنّ أنوار الاسلام ستزحف على ظلام الحياة التي عاشوا في متاهاتها . لذا تراهم يستخدمون الكثير من الحكّام والاحزاب والمؤسّسات الاعلامية التابعة لهم لتنفيذ مخطّط الغزو الحضاري، أو اللّجوء الى القوّة والاحتلال العسكري إذا اقتضت مصالحهم ذلك . إنّ الحرب الفكرية والنفسية التي يشنونها على المشروع الاسلامي وحملته تحاول جاهدة أن تظهر الاسلام بمظهر النظام المتخلِّف الذي يعيق نموّ الانسان وتقدّمه، ليحمِّلوا المبادئ الاسلامية حالة التخلّف ومعاناة المسلمين التي صنعوها بأيديهم في عالمنا الاسلامي . إنّ حالة الخواء والانهيار المستبطن في النظام المادي والتربوي والمنهج السلوكي الّذي تتبنّاه الحضارة الاوربية الحديثة ذات الجذور الرومانية الوثنية سيطيح بها بشكل مفاجئ كما أطاح بالنظام الشيوعي وانهار خلال فترة مذهلة، رغم ما كان يملك من قدرة تسليحية هائلة رهيبة، وإمكانات تصنيعية متطوِّرة عملاقة، ونظرية فكرية (النظرية الماركسية الشيوعية) أعمى بريقها العيون، فسالت أنهار من الدماء، وتجرّعت ثلاثة أجيال من البشرية المرارة والمعاناة والعذاب في سبيل الدفاع عنها، وترويج أفكارها . فانقسم العالم الى معسكرين متواجهين يهدِّد كلّ منهما خصمه بالفناء والدّمار الشامل .إنّ الحضارة الاوربية السائدة في أوربا وأمريكا واليابان وروسيا بشكل أساس لتبذل جهوداً مضنية في هذه المرحلة لقيادة العالم ومنازلة خصمها الفكري والسياسي الوحيد في الميدان وهو الاسلام. غير إنّ الدراسات والاحصاءات والتحليلات العلمية لتشير الى تداعي هذه الحضارة ودخولها مرحلة الانهيار وانتصار الاسلام. وإن طال الزّمن، وتلك سنّة الله التي أشار اليها القرآن في الحضارات المادية الجاهلية والتي نفهم من خلالها حركة التاريخ والحضارات، قال تعالى : (... فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زَادَهُمْ إلاّ نُفُـوراً * اسْتِكْباراً في الارْضِ وَمَكْرُ السّيِّئُ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السّيِّئُ إلاّ بِأهْلِهِ فَهَلْ يَنْـظُرُونَ إلاّ سُنَّةَ الاوّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْويلاً * أوَلَم يَسِيرُوا في الارْضِ فَيَنْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِم وكانُوا أشَدُّ مِنْهُم قُوّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْء في السّمواتِ والارْضِ إنّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً ). (فاطر/ 42 ـ 44) (فَلَمّا أنْجاهُمْ فَإذا هُمْ يَبْغُونَ في الارْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أ يُّها النّاسُ إنّما بَغْيُكُمْ عَلى أنْفُسِكُم مَتاعُ الحياةِ الدُّنْيا ثُمّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ ) . (يونس / 23) وإذا كان هذا البيان القرآني بتحليله العلمي لسقوط الحضارات وانهيارها يوضِّح لنا أنّ القوّة المادية من الجيوش والاساطيل والعسكر والمال والثروة والتصنيع لن تحول دون سقوط الحضارات والدول وانهيار المجتمعات التي تسلك سبيل الظلم والبغي والانحراف والاستكبار والشذوذ. فانّ أسـباب السـقوط بشكل أساس هي أسباب أخلاقية وفكرية ; إذا كان القرآن قد أوضح لنا ذلك من تجارب الاُمم وتأريخها، وإذا كانت بين أيدينا تجربة سقوط المعسكر الشيوعي ; فإنّ علامات السقوط الاخلاقي والسلوكي في الحضارة الاوربية تنذر بالسقوط الكامل، رغم محاولات الترميم والعلاج المستمر، وتتّضح معالم ذلك في الارقام والاحصاءات التي تبثّها الدوائر والمعاهد والمؤسّسات المختصّة في أوربا وأمريكا واليابان والصين وغيرها من بلدان الحضارة المادية (الجاهلية الحديثة) ، وهي تؤكِّد أنّ الحضارة المادية لم تستطع حلّ مشكلة الانسان بل زادت في معاناته ، وأ نّها سبب شقاء الانسان وعذابه في هذه الحياة، كما هي السبب في خسران الاخرة ورضوان الله سبحانه، وأنّ لا منجى للانسان إلاّ بالعودة للاسلام، والعيش في ظلال القرآن .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|