قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
نظرة في التشريع الاسلامي
(شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحـاً والّذي أوْحَيْنا إلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) . (الشورى / 13) (وَأَنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُم شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ... ).(المائدة / 48) (ثُمّ جَعَـلْناكَ عَلى شَرِيعَة مِنَ الامْرِ فاتّبِـعْها وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الّذينَ لا يَعْلَمُون).(الجاثية / 18) لقد تحدّث القرآن الكريم والسنّة المطهّرة عن الشريعة والتشريع، واستُعمل هذا المصطلح بمعناه ومدلوله العلمي في القرآن الكريم، بعد أن كان يستعمل في لغة العرب بمعناه اللّغوي المنتزع من بيئتهم . وقد عرّفه اللّغويّون والعلماء بالاتي : قال الرّاغب الاصفهاني : «شرع: الشرع نهج الطريق الواضح، يُقال شرعتُ له طريقاً، والشّرع مصدر، ثمّ جعله اسماً للطريق النهج، قيل له شِرع وشَرع، وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الالهية» . ثمّ نقل تفسير ابن عبّاس راوياً عنه، قال، قال ابن عبّاس : «الشِّرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما ورد به السُّنّة» . وهكذا فانّ معنى الشريعة في القرآن الكريم هو الطريقة الالهية التي يجب أن تسير عليها البشرية في حياتها، أي هي مجموع الاحكام والقوانين التي جاء بها القرآن وبيّنتها السنّة، وقد سمّى القرآن عملية وضع الاحكام الشرعيّة من قِبَل الله تعالى بالشّرع ـ أي الجعل ـ كما يسمِّيه علماء اُصول الفقه، لاصلاح البشرية وتقويم سلوكها وتنظيم حياتها . كما يؤكِّد القرآن أنّ التشريع لله، والرّسول مبلِّغ لهذا التشريع، وما اُعطي الرسول من صلاحيّات تشريعية فهي في اطار التشريع الالهي وتقدير ظروف البشرية : (... قُلْ إنّما أتّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ، مِن رَبِّي... ) . (الاعراف / 203) (قُلْ ما يكونُ لِي أن أبدِّلهُ من تلقـاءِ نَفْسي إن أتّبـعُ إلاّ ما يُوحى إلَيّ ) . (يونس / 15) وانّ ما صدر من سنّة عن النبيّ (ص) إن هو إلاّ بيان لما اُوحي إليه، وتعبير عنه ، وهو في كلّ ما صدر عنه لا يخطئ ولا يَزِل لما اُوتي من علم وعصمة وتسديد إلهيّ، وقد ورد هذا الايضاح على لسان الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع)، فقد روي عنه قوله : «إنّ رسول الله كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس، لا يَزِل ولا يخطئ في شيء ممّا يسوس به الخلق»(3). وقد بحث فقهاء الشريعة الاسلامية مسألة الجعل وإنشاء الحكم أو (التشريع) بحثاً موسّعاً في علم اُصول الفقه، كما بحث المتكلِّمون (علماء العقيدة) هذه المسألة بحثاً تفسيريّاً ، وهي : هل التشريع الاسلامي قائم على أساس حقائق ومصالح وتقديرات وحسابات علميّة قائمة في ذات الفعل المشرَّع له، أو أنّ التشريع عبارة عن اعتبار المشرِّع من غير أخذ هذه العناصر بنظر الاعتبار. وقد بحث ذلك تحت عنوان (الحُسن والقُبح) وجرياً على الاسلوب الكلامي والتعبير عن الافكار بمصطلحات كلامية، صاغوا عنوان الخلاف بينهم بالاتي : هل الحُسن والقُبح عقليّان أو شرعيّان،أي هل الحُسن والقُبح ذاتي أو اعتباري اعتبره المشرِّع؟ فافترق الرأي الى رأيين مختلفين، فذهب علماء مدرسة أهل البيت (ع) إلى أنّ الحُسن والقُبح عقليّان أي ذاتيّان وليسا شرعيّان. فحرمة شرب الخمر وحرمة الزِّنا قائمة على أساس قبحهما الذاتي، ولا يمكن أن يعتبر المشرِّع هذا القبح حُسناً فيصير بهذا الاعتبار عملاً حسناً، في حين ذهبت الاشاعرة الى خلاف ذلك . أمّا فقهاء القانون الوضعي فقد بحثوا هذه المسألة تحت عنوان (تكوين القاعدة القانونية) ، فقد بحثت أيضاً على أساس أنّ القاعدة القانونية قاعدة تقويمية، أي أ نّها قاعدة لتنظيم السلوك والعلاقات البشرية. هدفها تقويم السلوك الانساني . ولقد انتهت دراسات فقهاء القانون الوضعي إلى أنّ القاعدة القانونية تتكوّن من : 1 ـ المادّة أو المضمون . وهي عبارة عن محتوى القاعدة القانونية المستفاد من العوامل المختلفة كعامل الاقتصاد والاجتماع ومقرّرات العلم، غير أنّ القانون الوضعي لم يلتزم بنتائج البحث العلمي، والتجربة الواقعية، ومثال ذلك أنّ الدراسات العلمية أثبتت ضرر الخمر والزِّنا واللّواط والاحتكار.. وما زالت القوانين الوضعيّة تبيحها ; بل وتعتبرها من الحقوق والحريّات. وقد عبّر عن مصطلح (المادّة أو المضمون) في علم اُصول الفقه بـ (الملاك)، والملاك في مفهوم الفقهاء وخبراء التشريع الاسلامي هو جوهر المادّة القانونية وروحها . 2 ـ الشكل أو الصياغة، «ويقصد بالشكل كيفيّة تحديد المادّة، وضبط المضمون ضبطاً علميّاً عن طريق الصياغة الفنيّة التي تتولاّها السلطة التي تضفي على القاعدة القانونية قوّتها الالزامية»(4). وسُمِّي هذا العنصر (الشكل) في علم اُصول الفقه (بالاعتبار)، ويمكن تعريف الاعتبار بأ نّه: «عبارة عن الصياغة اللّفظيّة التي يبرز بها المشرِّع إرادته الدالّة على ملاك التشريع» . وقسّمت دراسات الفقه الوضعي عناصر المضمون الى عنصرين هما : 1 ـ عنصر الواقع المسـتمد من التجربة والمشاهدة في الجمـاعة. كعنصر الطبيعة البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاخلاقية والدينية(5). 2 ـ عنصر المثال الذي يعتبر نموذجاً للعدل الذي يتعيّن السير على دربه في جميع القوانين الوضعية(6). غير أنّ الواقع أثبت عدم قدرة القانون الوضعي على تحقيق ذلك لا في عنصر الواقع، ولا في عنصر المثال. ولئن جاءت دراسات وأبحاث القانون الوضعي متأخِّرة في تحديد المبادئ التي تتقوّم بها القاعدة القانونية، فانّ التشريع الاسلامي والاحكام الشرعيّة تتقوّم ذاتيّاً بتلك الحقائق، فهو تشريع قائم بطبيعته على أساس العلم والعدل . ذلك لانّ التشريع الاسلامي يراعي طبيعة الانسان النفسية والاجتماعية وحوائجه الماديّة والقيم الاخلاقية، وسنوضِّح ذلك من خلال الموضوعات القادمة . كما جعل مبادئ الحق والعدل والاحسان هي المبادئ الاساسية التي يدور عليها القانون والتشريع . ويتحرّك القانون والمجتمع للوصول اليها ، قال تعالى : (إنّ الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ) . (النّحل / 90) وقال تعالى : (وبالحقِّ أنزلناه وبالحقِّ نزل ) . (الاسراء / 105) وتكتسب القاعدة القانونية أو (الحكم في الاسلام) القوّة الالزامية من كونه قانوناً الهيّاً يجب الالتزام به طاعة لله تعالى، ولا علاقة للسلطة بالالزام إلاّ ما منح التشريع الاسلامي السلطة الاسلامية من صلاحية اصدار بعض القوانين لتحقيق المصالح، ودرء المفاسد وصلاحيّة إصدار أحكام وتطبيق الاحكام الاسلاميّة وفق الظروف والمستجدّات القائمة في الحياة الاجتماعيّة، وتكتسب مثل هذه القوانين قوّتها الالزاميّة من السلطة المصدِّرة لها . والتي اكتسبت بدورها تلك الصلاحية من القانون الالهي أيضاً. وبذا يكون دور السلطة في اضفاء صفة الالزام على ما تصدره من أحكام هو دور ثانوي .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|