اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
القانون والاجتهاد وتطوّر الحياة
من أكثر المصطلحات شيوعاً في حياة الناس هو مصطلح القانون، ويفهم الجميع معنى القانون وأثره في الحياة، ولو بدرجات متفاوتة لتماسّهم اليومي مع القوانين المنظِّمة لعلاقاتهم ونشاطاتهم في كلّ مؤسّسة اجتماعية ونشاط إنساني منظّم، فأجهزة الدولة ونشاطاتها المختلفة والسوق والجمعية والحزب والنقابة والمحكمة والتجارة وملكيّة الارض والمصارف وبيوت المال والشركات والمرور في شوارع المدن... الخ ، كلّها تخضع للقانون، ولها قوانين تنظِّم نشاطاتها . لذا عُرِّف القانون بأنه:«مجموعة القواعد المنظِّمة لسلوك الافراد في المجتمع والتي تحملهم السلطة العامّة فيه على احترامها،ولو بالقوّة عند الضرورة. وهذا هو المعنى العام المقصود بكلمة القانون»(30). وكلمة القانون هي كلمة معرّبة، منقولة الى العربية من اللّغة اللاّتينية كما يذكر البعض ذلك. وقد شاع استعمال كلمة قانون في اللّغة العربية، والثقافة الاسلامية بعد عصر الترجمة، وقد استعملت كلمة القانون بمعنى القاعدة التي تنظِّم العلاقات بين شيئين أو أكثر تنظيماً متّصفاً بالثبات والحتمية والعموم، سواء في مجال الطبيعة أو الفكر والمجتمع; لذا اسـتعملت كلمة قانون في الطبّ والفـيزياء والمنطق والكيـمياء. كما استعملت في تنظيم العلاقات الاجتماعية، كالعلاقات الدوليّة فيُقال القانون الدولي، والعلاقات التجارية فيُقال القانون التجاري، وفي تنظيم العلاقات الاُسرية فيُقال قانون الاحوال الشخصيّة . والقانون كما ينظِّم الحياة المدنية للمجتمع فانّه يساهم مساهمة فعّالة في تطوير الحياة وتنميتها على اُسس علمية ومراعاة للواقع البشري بعكس القانـون الذي لا يقوم على رؤية علمية ولا مراعـاة للواقع الاجتماعي فانّه يتسبّب في تخلّف الحياة وإعاقتها . ولقد استعمل القرآن كلمة (شِرْعة) و (شرع) و (شريعة) و (منهاج) و (حدّ)، بمعنى القانون الذي ينظِّم العلاقات الاجتماعية المختلفة، فقال : (شرّع لكم من الدِّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك ... ) .(الشورى / 13) وقال: (لكلٍّ جعلنا منكم شِرْعةً ومنهاجاً ... ) . (المائدة / 48) وقال: (ثمّ جعلناك على شريعة من الامر فاتّبعها ... ) . (الجاثية / 18) وقال: (تلك حدود الله فلا تقربوها ... ) . (البقرة / 187) وقال: (ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه... ) . (الطّلاق / 1) وباستقراء المصادر والقواعد التشريعية والفكر التشريعي في الاسلام نجدها منهجاً شاملاً وتنظيماً مستوعباً لكلّ صغيرة وكبيرة في الحياة، واستيعابه للوقائع والحوادث الموجودة في عصر التنزيل ولما استجدّ فيما بعد نتيجة لتطوّر الحياة،وتنامي العلوم والمعارف.وجاء هذا الاستيعاب نتيجة لعلم المشرِّع سبحانه وقدرته على إيداع هذه القدرة الاستيعابيةالمعجزة في نصوص التشريع ومفاهيمه، فقد استوعب النص والمفهوم الشرعي تطوّر الحياة بمبدأين أساسين هما:عموم النصّ وإطلاقه. ولكي نفهم بوضوح أكثر دقّة وعلميّة وقدرة التشريع الاسلامي على استيعاب الثابت والمتغيِّر من الحياة، فلا بدّ لنا من أن نعرِّف بمبدأين تشريعيين هما : 1 ـ حالات وجود الحكم في الكتاب والسنّة . 2 ـ جواز الاجتهاد ومنهج الاستنباط .
|
|