قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
2 ـ جواز الاجتهاد والاستنباط :
في البدء لا بدّ من التعريف بالاجتهاد كمفهوم ومصطلح ليتّضح لنا معناه وقيمته في إثراء الفقه والقانون الاسلامي ومعالجة المشاكل والقضايا المستجدّة في الحياة . تعريف الاجتهاد : الاجتهاد في اللّغة : قال الجوهري في قاموس الصحاح : «الجَهْدُ، والجُهْدُ : الطاقة. الجَهْدُ : المشقّة. وجَهَدَ الرّجلُ في كذا : أي جدَّ فيه وبالغ. والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود» . وقال الراغب الاصفهاني : «الجَهْدُ والجُهْدُ : الطاقة والمشقّة. والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمّل المشقّة، يُقال: جهدت رأيي، وأجهدته: أتعبته بالفكر...»(33). الاجتهاد في الاصطلاح : والاجتهاد كما نعرف مصطلح علمي متداول لدى الفقهاء وعلماء أصول الفقه، له تعريفه، وحدوده المسموح بها، ومنهجه وأدلّة مشروعيّته . ولقد عرّف العلماء المختصون الاجتهاد بمعناه الاصطلاحي بأنه : «بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً»(34). ونقل الاخوند تعريفاً علميّاً للاجتهاد عن بعض العلماء جاء فيه أنّ الاجتهاد : «ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الاصل فعلاً أو قوّة قريبة» . وقد دار حوار علمي واسع على مدى قرون عديدة حول جواز الاجتهاد في الشريعة ومدى مشروعيّته، وكانت نتيجة هذا الحوار أن انتصرت النظرية الاجتهادية، وعوّل المسلمون عليه في استخراج الاحكام الشرعية (القوانين الاسلامية) في مختلف المجالات التي لم يرد فيها حكم صريح في الشريعة . ويفهم من تعريف الاجتهاد : أنّ المقصود به هو القدرة العلمية على استنباط أو استخراج الحكم الذي يحتاج استخراجه الى جهد علمي، كما يفهم منه أيضاً أ نّه اسم لعملية الاستنباط الفعلي للحكم واستخراجه من دليله الشرعي . وهذا يعني أنّ الاجتهاد : 1 ـ عمل علمي . 2 ـ انّه استخراج الحكم من الاصل الشرعي (الدليل) . 3 ـ أنّ الاجتهاد تنحصر دائرته في القضايا التي لم يرد فيها حكم بيِّن ومحدّد، وهذا يعني أيضاً عدم جواز الاجتهاد في الحكم البيِّن (النصّ) . ولذا ثبِّتت القاعدة المنظِّمة والضابطة لعملية الاجتهاد والمحدِّدة لدائرته بالنص الاتي : «لا اجتهاد مع النصّ» . وعرِّف النصّ بأنه : «الدّليل الشرعي الذي يكون مدلوله متعيِّناً في أمر محدّد، ولا يحتمل مدلولاً آخر عنه»(35). 4 ـ من ذلك نفهم أنّ الحكم الاجتهادي هو الحكم القابل للتغيير باجتهاد آخر، يقوم على أساس فهم آخر للدليل ذاته، أو اسقاط ذلك الدليل بدليل آخر، فينتهي هذا الاجتهاد الى حكم آخر للقضية ذاتها . ولعمليّة الاجتهاد أهميتها الكبرى في إثراء وإغناء التشريع الاسلامي ومعالجة القضايا المستجدّة في عالم الانسان باستنباط الاحكام من الاصول والادلّة ممّا يجعل الشريعة الاسلامية قادرة على استيعاب التطوّر الانساني في مختلف حقوله ومجالاته . وتتقوّم قدرة التشريع الاسلامي على تغطية المساحات الحياتية المستجدّة بعناصر عديدة نذكر أبرزها : 1 ـ أصل البراءة (براءة الذمّة من التكليف، ما لم يرد دليل قطعيّ على ذلك) . 2 ـ اعطاء الحاكم الشرعي صلاحيّة وضع الاحكام ـ على ضوء الكتاب والسنّة ـ المناسبة للاوضاع والظّروف في المجالات التي لم يرد فيها حكم إلزاميّ (الوجوب والحرمة) . 3 ـ عموم النصّ وشموله للحادثة الجديدة، كما تشمل القاعدة مفرداتها . 4 ـ إطلاق النصّ وشموله للحادثة الجديدة، ممّا يوسِّع دائرة القضية التشريعية المطلقة لتشمل بهذا الاطلاق مفردات غير محدودة . وهكذا تتحرّك عملية الاجتهاد في اطار هذه الاصول الكبرى في استنباط القوانين والاحكام لايّ مسألة مستحدثة في مجال العبادة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والصحّة والاطعمة والاشربة، فتحكم بالاباحة أو الوجوب أو الحرمة، أو صحّة الفعل أو بطلانه ... الخ . فالمجتهد عندما يواجه موضوعاً جديداً أو مسألة جديدة يبدأ عملية الاجتهاد بالبحث في أداة الاحكام الفردية،فإن وجد لها حكماً واضحاً كحرمة شرب الخمر ووجوب الصّلاة،فانّه يثبِّت هذا الحكم،وإلاّ فانّه يبحث في عموم الادلّة ومطلقاتها،فانّ هذا العموم والاطلاق يشمل قضايا غير محدّدة من التشريع،مثل:«ما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو حرام»،ومثل:«ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب»،و«لا ضرر ولا ضِرار»،و(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)،و(أوفوا بالعقود)،و(الموفون بعهدهم إذا عاهدوا)،و«كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»(36)،و«ما أدّى الى الحرام فهو حرام»، و «كلّ قرض جرّ نفعاً فهو ربا» . فإن لم تكن القضيّة التي ليس لها حكم فردي مشمولة بعموم الادلّة أو اطلاقاتها، فانّ المجتهد يرجع الى أصل البراءة، ويستنبط من ذلك براءة الذمّة من التكليف، وبذا تغطّى كل المساحات المستجدّة في عالم التشريع والقانون. وينبغي أن نذكر هنا أنّ هذا الاصل له أدلّته من الكتاب والسنّة أيضاً . وبذا تتّضح أمامنا عملية الاجتهاد وخطوات العمل الاستنباطي . وقد وضع العلماء علم اُصول الفقه بقواعده وقوانينه العامّة كمنهج ومنطق علمي لتنظيم عملية الاستنباط، وعرّفوه بأ نّه : «العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي(37) »(38). كما قَعّدوا القواعد الفقهية، مثل : قاعدة الالزام، وقاعدة الضّرر،وقاعدة اليد،وقاعدة صحّة عمل المسلم، وقاعدة الضمان ... الخ . وتشكِّل القواعد الاصولية والفقهية بمجموعها القواعد التشريعيةالممهِّدة لاستنباط الاحكام الشرعية. وهي بمجموعها تستوعب التنظيم والتمهيد لعمليّة الاستنباط الذي يثري ويغني التشريع الاسلامي بصورة دائمة . والجانب الاجتهادي المرتبط بمسألة الثابت والمتغيِّر من الاحكام الاجتهادية هو جانب الفهم، فهم محتوى النصّ ودلالته ومقاصده، سواء في مجال الواقعة الفردية المحدّدة، أو المستوعبة في مجال العموم والاطلاق . ومن الجدير بالذكرهنا أنّ المنهج العلمي، في العلوم الطبيعية والاجتماعية يقوم على أساسين هما: 1 ـ تشخيص الحادثة الفردية . 2 ـ تشخيص القانون العام المنطبق على الحوادث الجزئية المشمولة بهذا العموم على امتداد الزمان والمكان . فعلم أي موضوع من موضوعات الحياة هو عبارة عن مجموع القواعد والقوانين العامّة التي تنطبق على مفردات موضوعة على امتداد الزّمان والمكان، وبشكل غير محدّد ضمن ظروف وشروط متماثلة . وكما ينطبق هذا التعريف على العلوم جميعها، كعلم الطبّ والفيزياء والكيمياء والنفس والاجتماع ، فهو ينطبق على علم التشريع والفقه الاسلامي ... الخ . أمّا المسائل التي لم تكن مشمولة بالادلّة الفرديّة أو أدلّة العموم والاطلاق فمعنى ذلك أنّ الشريعة الاسلاميّة لم تحدِّد فيها تكليفاً معيّناً للانسان، ويكون بذلك حرّاً في تصرّفه، فيكون الحكم فيها هو : براءة الذمّة . وكما أنّ الاصل في التكليف هو براءة الذمّة ما لم يرد دليل على إشغالها، فانّ الاصل في الاشياء هو الاباحة ما لم يرد دليل على الحرمة . وإذا أضفنا ما أحلّته الشريعة الاسلامية بتشريعها الفرديّ أو الشمولي الى ما هو مباح بدليل أصالة الحل (أصل الاباحة) وإلى ما اُعفي عنه الانسان، ولم يكلّف به بأصل البراءة، نجد أنّ المساحة الواسعة من الحياة الانسانية هي مساحة حرّة ترك للانسان فيها حريّة التحرّك، وتحديد الموقف، سواء عن طريق التنظيم الجماعي وقوانين الدولة التي تقرِّر المصلحة ، أو القرار الفردي المرتبط بالشخص ذاته، وهذه المساحة خاضعة للتغيير والتبديل وفق المصالح وملاكات الاحكام، والتي سنبحثها فيما هو آت من البحث كما في دراسة الاحكام الثانوية. ومن المفيد أن نُثبِّت هنا أنّ المحرّمات أشياء محدّدة في الشريعة الاسلامية هدفها حماية الحياة البشرية; كتحريم الزِّنا واللِّواط والخمر والقتل والسرقة والرِّبا والاحتكار والظلم وتخريب البيئة والغيبة والغشّ والغبن والميتة والدّم... الخ، لذلك قال الله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم... ) . (الانعام / 151)
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|