اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
التشريع بين الذاتيّة والموضوعيّة
من المسائل الاساسية في حياة الانسان هي مسألة القانون. مَنْ يشرِّعه ويلزم به ويعاقب على مخالفته ؟ وما هو الاساس الذي يقوم عليه التشريع ؟ انّ دراسة الفهم التشريعي في الاسلام تؤكِّد لنا أنّ الاسلام يرى أنّ التشريع يجب أن يسـتند الى التشخيص العلمي الموضـوعي. فتحـريم الخمر أو الزِّنا أو الاحتكار والالزام بالعهود والمواثيق والعقود وبطلان عقد المكره ووجوب احترام شخصية الانسان والحفاظ على الحياة العائلية، مسألة يجب تحديدها بعلم، كما تحدّد القضايا الطبيّة والفيزيائية بعلم، وكما يحتاج التشريع الى تشخيص علمي فانّه يحتاج الى العدالة التامّة ويحتاج الى السموّ فوق الدوافع النفسية والغريزية بأسرها التي تقود الانسان الى عدم الالتزام بتشخيصات العلم . فتتدخّل الحالات النفسية المرضية والدوافع الغريزية والشهوات والانانية والمصالح الذاتية التي تتحكّم في واقع المشرِّع. وبذا تكون القوانين عبارة عن ارادة المشرِّع الانسان وذاته الشخصية، فيتحوّل القانون من قانون علمي موضوعي ينظِّم الحياة الاجتماعية على اُسس علمية الى قانون يعكس إرادة المشرِّع ونوازعه ومصالحه الذاتيّة . لذا خاطب الله سبحانه نبيّه الكريم محمّداً (ص) بقوله : (ثمّ جعلناك على شريعة من الامر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون ). (الجاثية / 18) وتوفير العلم بالقضايا السلوكية والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والسياسية والنفسية ... الخ، يحتاج الى إحاطة كاملة بالعلوم والمعارف جميعها، الاجتماعية والطبيعية والحيوية ذات العلاقة عن طريق التجربة والاكتشاف ودراسة كل هذه القضايا; صغيرها وكبيرها، ليتمكّن الانسان من معرفة الوحدة الموضوعية والترابط بين الاشياء إضافة الى معرفتها بذاتها . ولنضرب لذلك مثلاً : انّ الشريعة الاسلامية قد حثّت على منح الطفل الحبّ والحنان، ودعت الى فسح المجال أمامه ليلعب في مرحلة طفولته، ونهت عن سوء المعاملة والاساءة اليه لعلم المشرِّع سبحانه بعلاقة ذلك بالقانون الذي ينظِّم الحياة . فقد أثبتت دراسات علم النفس الجنائي أنّ فقدان الحب والحنان في مرحلة الطفولة وسوء التعامل معه، من أخطر العوامل التي تقوده الى التمرّد ونشوء الروح العدوانية ضدّ الاخرين واقتراف الجريمة وسوء التعامل معهم . كما أثبت علم نفس الطفل أنّ اللّعب في مرحلة الطفولة هو من أسباب التخلّص من القلق والخوف الذي يساهم في تكوين الشخصية المعقّدة التي كثيراً ما تتحوّل الى شخصيّة ضارّة في المجتمع، وأنّ الاباحة الجنسية، والاحتكار وشرب الخمر والمخدِّرات مثلاً هي من أخطر الاسباب التي قادت الانسان المادي الى ما يعانيه من أمراض وجرائم ومشاكل اقتصادية . وفي قراءة ما تقدّم من احصاءات في مجال الامراض الجنسية والجريمة والمشاكل الاقتصادية والامراض النفسية، لدليل واضح على أنّ جهل المشرِّع هو السبب في معاناة الانسان، وأنّ علم الانسان بنفع أو ضرر الكثير من الممارسات لم يتحوّل إلى قانون لتنظيم الحياة، لِتَدخُّل الذاتية، ذاتيّة المشرِّع الذي يشرِّع بجهل وأنانية ودوافع نفسية وشهوانية منحرفة، وبذا جاء التشريع الوضعي بعيداً عن الموضوعية لا نّه صياغة لمحتوى ذات المشرِّع الانسان الذي تتلاعب به دوافع الجهل والانانية والحالات النفسية والشهوات ... الخ . وحتى في الاحوال التي يتمكّن فيها الانسان المشرِّع من تشريع قانون علمي متكامل، فانّ الالتزام بهذا القانون يحتاج الى دافع ذاتي من الانسان المطبّق نفسه، وليس هناك من رقابة غير الايمان الحق بالله سبحانه، وبعالم الاخرة، وبالجزاء الاُخروي . وهكذا يحتاج الانسان لكي يحقِّق السعادة في الحياة تشريعاً علميّاً، وعدالة مطلقة، وتنفيذاً للقانون. ولا يحصل ذلك إلاّ بالاسلام وحده; ذلك لانّ المشرِّع منزّه عن الجهل والظلم ونوازع الذات غير السويّة .
|
|