اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
القانون والنظام وظروف التطبيق
وممّا يبحث في موضوع علاقة الزمان والمكان والظروف بالتشريع والقانون والنظام، هو مسألة استيعاب الاسلام لكل المشاكل والاوضاع، وتقديم أكثر من حلّ للمشكلة الواحدة في كثير من الحالات والمجالات وبشكل يفتح فيها هذا التعدّد أفق الخيار بين البدائل الاسلامية المتعدِّدة . وتتحكّم الظروف والاوضاع الاجتماعية التي يعيش فيها الانسان بتشخيص القانون الذي ينبغي تقديم العمل به على الاخر الموازي له. من أمثلة ذلك : أنّ الاسلام أباح الملكية الفردية والملكية الجماعية، أو شجّع على بناء الحياة التعاونية، وأقرّ الحرية الاقتصادية، وسمح لحركة السوق وآليّته بالحريّة، وأعطى الدولة حق التدخّل في توجيه الاقتصاد، وحدّد مسؤوليّات الفرد والاُمّة بشكل يجعلهما يعتمدان على نفسيهما من غير أن تتحمّل الدولة مسؤولية واسعة في النهوض بمشاكل الفرد والجماعة، في حين نجد تشريعات ومفاهيم أخرى تؤكِّد على مسؤولية الدولة تجاه الفرد والاُمّة بشكل يعطيها دوراً واسعاً ويلقي عليها مسؤولية كبرى تجاه الفرد والمجتمع . وعند دراسة هذه الظاهرة في التشريع الاسلامي، نجدها ليست تناقضاً ولا تعارضاً، بل هي سعة واستيعاب واحتياط للظروف وأوضاع المرحلة التي تعيش فيها الاُمّة، وتُحدِّد الظروف الموضوعية وطبيعة الحاجة والمصلحة نوع التشريع والقانون الذي يُعمل به دون الاخر . والمسؤول عن تحديد ذلك هما : الاُمّة بعلمائها ومفكِّريها وحركاتها السياسية ، والدولة بما لها من قدرات علمية، وصلاحيّات تشخيص الخيار التشريعي، والعمل بالبديل القانوني من بين الخيارات والبدائل الاسلامية المتوفّرة في مستودع التشريع والتنظيم الاسلامي . فمثلاً عندما تشخّص الاجهزة الاقتصادية المختصّة في الدولة ويثبت لديها علميّاً أصلحيّة اطلاق دور الفرد والسوق في توجيه الحياة الاقتصادية، فانّها تختار هذا المنهج الاقتصادي لوجود مصلحة في ذلك، في حين تقوم الدولة بالتدخّل وتوجيه الاقتصاد واللّجوء الى المركزية الاقتصادية في ظرف آخر ترى فيه أنّ من المصلحة الاقتصادية اللّجوء الى هذا الاتجاه التشريعي، منطلقة من الدراسة والتقييم العلمي المحسوب أيضاً .
|
|