فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي


1 ـ مُتعلّق التشريع :

لكلّ تشريع وقانون مجال يتولّى مهمّة تنظيمه، كالمجالات الفكرية والامنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجنسية ... الخ، التي يسمِّيها علماء اُصول الفقه بمتعلّقات الاحكام. فالقانون ينظِّم النشاطات والحاجات والمواقف والعلاقات البشرية المختلفة .
وحين نخضع نشاط الانسان وحاجاته الحيويّة للدراسة العلمية ، على ضوء علم النفس والطب والاجتماع، نستطيع أن نبرمج كل هذه الحاجات والنشاطات في حقول أساسية أربعة هي :
أ ـ الحاجات الاخلاقيّة والنشاطات والاحاسيس النفسية : كالامن والحب، والقلق والخوف، والاستقرار، والحقد والعدوان والغضب، والقبح والجمال ... الخ .
ب ـ الحاجات والنشاطات العقلية : وتتمثّل في البحث عن المجهول، وتحصيل العلوم والمعارف، وفهم الكون والحياة وما يرتبط به من معرفة الخالق وعبادته ... إلخ .
ج ـ الحاجات والنشاطات المادية:كالطّعام والشّراب والجنس والسّكن واللِّباس والعلاج...الخ.
د ـ الحاجات والنشاطات الاجتماعية والسياسيّة ...الخ .
فالتشريع والنظام العلمي هو التشريع والنظام الذي يلبِّي حاجات الانسان الطبيعية هذه، وينظِّمها ويتجاوب معها; وذلك لا نّها حاجات ترتبط بتكوين الانسان وذاته في كل زمان ومكان . وانّ هذا التجاوب والاشباع هو حق وعدل .. وانّ قيم الحق والعدل هي قيم ثابتة لا تتغيّر. وإنّ ما يتغيّر هو كميّة ونوعيّة المطلوب تحقّقه من الحاجات البشريّة، ليتحقّق الحق والعدل .
وحين تخضع الحاجات والنشاطات البشرية للدراسة والتحليل على ضوء العلوم والمعارف الحديثة، نعرف أنّ الانسان بحاجاته ونزعاته الاساسية كالطّعام والشّراب والسّكن والعلاج والجنس والامن والخوف والحب والكراهية والاستقرار والتفكير والعدوان... الخ، هو ذلك الانسان، منذ أن خلق على سطح هذا الكوكب، وحتّى ينتهي وجوده عليها. ولم ولن يتغيّر. إنّ المتغيِّر هو الوسيلة، وكيفيّة الاشباع وتوفير الحاجات، والتعامل مع النوازع والدوافع الذاتية، الضارّ منها والنافع .
من ذلك كلّه نفهم أنّ ما طرأ عليه التغيّر والتبدّل هو الاساليب ووسائل الحياة،وليست الحاجةذاتها.
فمثلاً كان الانسان في بداية وجوده على هذه الارض يعتمد في الحصول على غذائه على ما يجده من نباتات وثمار وحيوان في عالم الطبيعة الحرّ، وكان يصنع لباسه من جلود الحيوان وبعض أوراق النباتات، وينتقل سيراً على الاقدام، ثمّ طوّر وسائله لتوفير غذائه وصناعة اللِّباس والنّقل، حتّى بلغ مراحله العليا في عصرنا الحاضر، وستتطوّر تلك الوسائل والاساليب إلى درجات أرقى .
ويبقى الثابت هو وجوب إشباع الحاجة الجسديّة للانسان، يتكفّلها القانون والنظام وفق مبدئي الحق والعدل الثابتين.
فقد وضع الاسلام المبدأ المفتوح لاشباع تلك الحاجات، قال تعالى :
(إنّ لَك ألاّ تجـوع فيها ولا تعـرى * وأن لا تظـمأ فيها ولا تضحى).(طه/118 ـ 119)
فذلك حقّ ثابت للانسان،وبغضّ النظر عن موضع الخطاب،ومناسبته.وتدور التشريعات والقوانين ونظم الحياة في كلّ عصر حول هذا المحور، وللسلطة الشرعية أن تتّخذ من الاجراءات والقوانين والتعليمات ما ينفِّذ هذا الحق للانسان في كل زمان ومكان عدا ما شرّع وقنّن من قوانين وأحكام ومفاهيم في الشريعة الاسلامية،والانسان كان ولم يزل يحتاج الى الامن والاستقرار وحماية نفسه من ألوان الخوف جميعها،وتلك حاجة نفسية ومادية ثابتة في وجوده على هذه الارض.
ويوضِّح القرآن المبدأ الثابت في مسألة الامن والطمأنينة على النفس والمال والعرض في معرض السؤال الملائكي للباري جلّ شأنه واستغرابهم أن يكون الخليفة في الارض من يُفسد فيها ويُسفك الدِّماء . فقد جاء ذلك في قوله تعالى :
(وإذ قال ربّك للملائكة إنِّي جاعلٌ في الارضِ خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماء ونحنُ نسبِّح بحمدِكَ ونُقَدِّسُ لَك ).(البقرة / 30)
وفي قوله:(مَن قتلَ نفساً بغيرِ نفس أو فساداً في الارضِ فكأنّما قتل النّاس جميعاً).(المائدة/32)
وفي قوله : (فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ).(قريش / 4)
وفي قوله : (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحرِ وفضّلنا على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً ) . (الاسراء / 70)
وفي قول الرسول (ص) : «كَلّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» .
«لا يحلّ أخذ مال امرئ إلاّ عن طيب نفسه» .
وبذا تثبت الاُسس التشريعية في وجوب حفظ أمن النفس والمال والعرض (السمعة والكرامة) المتعلِّقة بالانسان .
وهذه المبادئ هي الثابت الذي لا يتغيّر، وانّما تتغيّر وسائل وأساليب توفير الامن، التي تحدث في عصرنا الحاضر مسألة علميّة معقّدة تتولاّها أجهزة وعلماء ومعاهد ودراسات مختصّة . ولذا فانّ كل التقنيّات والاجراءات تتحرّك حول هذا المحور، حسب ظروف الزمان والمكان والمستوى العلمي والامكان التقني بشكل يحفظ الامن ويحقِّق الطمأنينة .
وإذن فالاسلام كشريعة، يرى من ضرورات الحق والعدل أن يتوفّر الامن للانسان كقيمة ثابتة، وانّما المتغيِّر في هذا المجال هو وسائل وأساليب توفير الامن، وهي مسألة ليست من مهام الشريعة، بل من مهام العقل البشري، وقد دعي العقل الى البحث والتفكير وتطوير الحياة، وأعطيت السلطة الشرعية في كلّ عصر الصلاحيات اللاّزمة لاصدار التعليمات والاجراءات التنفيذية التي لا تتعارض مع قيم الحق والعدل لحفظ الامن وحمايته .
وهكذا يتحدّد الثابت والمتغيِّر في كل مجال وموضوع من مجالات الحياة وموضوعاتها .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com