اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
2 ـ الاحكام الاوّلية والاحكام الثانوية :
ومن المباحث التشريعية التي ترتبط بالملاكات وتغيّر الاحكام هو مبحث الحكم الاوّلي والحكم الثانوي. ويشكِّل هذا المبحث مجالاً واسعاً لحلّ مشكلة التغيّر الموضوعي في القضايا والشؤون العامّة للحياة في مجالها السياسي والاقتصادي والفردي والتعبّدي ... الخ . وتقسيم الاحكام الواقعيّة إلى أحكام أوّلية وثانوية نتج عن مراعاة المشرِّع لملاكات الاحكام وما يطرأ على متعلِّقاتها وموضوعاتها والمجالات التي تتكفّل بتنظيمها وتحديد موقف الانسان منها من طوارئ وعوارض ومستجدّات. فتغيّر الواقع الموضوعي يستدعي تغيّر الحكم . ولكي يكون البحث أكثر وضوحاً فلنعرِّف كلاّ من الحكم الاوّلي والحكم الثانوي . عرّف العلاّمة السيّد محمّد تقي الحكيم الحكم الواقعي الاوّلي بقوله : «ويُراد به الحكم المجعول للشيء أوّلاً وبالذات، أي بلا لحاظ ما يطرأ عليه من العـوارض الاُخرى، كأكثر الاحـكام الواقعـية، تكليفية ووضعية»(52). وعرّف الحكم الواقعي الثانوي بقوله : «وقد اُريد به ما يجعل للشيء من الاحكام بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصّة تقتضي تغيير حكمه الاوّلي، فشرب الماء مثلاً مُباح بعنوانه الاوّلي، ولكنّه بعنوان انقاذ الحياة يكون واجباً ; والصناعات التي يتوقّف عليها نظام الحياة واجبة على نحو الكفاية; ولكنّها مع الانحصار بشخص، أو فئة خاصّة، تكون واجباً عينيّاً، إن صحّ أنّ الوجوبين مختلفان بالسِّنخ، وهكذا»(53). وبعد هذين التعريفين علّق على تبدّل الحكم الاوّلي إلى حكم ثانوي بقوله : «وما أكثر الاحكام الاوّلية التي يتبدّل واقعها لطروء عناوين ثانوية عليها، فالواجب ربّما تحوّل الى حرام، والحرام الى مباح، والمباح الى مستحبّ، وهكذا...، ومن هنا تتّضح مرونة الاحكام الاسلامية وتمشِّيها مع الظروف والاحوال ; ولذلك حديث خاص سيأتي في موضعه من أدلّة القياس إن شاء الله تعالى»(54). إنّ دراسة وتحليل هذا المبدأ التشريعي ـ مبدأ تحوّل الحكم من عنوان إلى عنوان آخر ـ مراعاة للطوارئ والحوادث المغيِّرة للملاك (المصلحة والمفسدة) ليكشف عن قدرة التشريع الاسلامي على مراعاة الامر الواقع ومستجدّاته، ويحدِّد لنا معنى الثابت والمتغيِّر في الاسلام. ولنضرب لذلك مثلاً عمليّاً من أمثلة تغيّر الملاك الذي يقود الى تغيّر عنوان الحكم من مباح إلى واجب أو محرّم .لقد أباح التشريع الاسلامي عملية بيع السلع والعملات بعنوانه الاوّلي، واعتبره واجباً إذا توقّف على هذا العمل التجاري دفع الضّرر الاقتصادي، غير أنّ هذا المباح يصير محرّماً إذا ما أضرّ باقتصاد الاُمّة ووضـعها المالي ، فمثلاً التصـدير الخارجي للذهب والعملات والسّلع عمل اقتصادي مُباح في الشريعة الاسلامية، غير أ نّه يصبح محرّماً إذا ما أضرّ باقتصاد الاُمّة ومركزها المالي . وبذا وضع الاسلام القاعدة التشريعية التي يتغيّر فيها الحكم الاوّلي إلى حكم ثانوي، فتغيّر المباح الى واجب أو محرّم أو بالعكس، حسب العوارض والطوارئ التي عرضت له وطرأت عليه هو دليل على وجود الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي، وعندما يزول العارض والطارئ يُصار الى الحكم الاوّلي، ولا تجوز مخالفته، لانّ المصلحة عندئذ في العمل به . ومن الامثلة على ذلك الموقف من الاستثمارات الاقتصادية الاجنبية، فهي مُباحة بالحكم الاوّلي، غير أنّ هذه الاستثمارات تصير محرّمة إذا ما أدّت الى التحكّم السياسي والسيطرة على اقتصاد الاُمّة من قِبَل الدولة الاجنبية المستثمرة .
|
|