اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
3 ـ التزاحم وتقديم الاهمّ على المهم :
التزاحم مصطلح اُصولي يعني: «هو التنافي بين الحكمين بسبب عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما في عالم الامتثال»(55). وهو في حقيقته تنازع بين واجبين أو واجب ومحرّم على الزمان أو المكان أو الاستطاعة، بشكل لا يسع المكلّف تنفيذهما معاً في ذلك المقطع الزمني أو المكاني، أو بما يملك من قدرة، فلا بدّ له من تنفيذ أحدهما وترك الاخر . وهذا الصنف من التزاحم (التنازع) يتحوّل في المفهوم التشريعي الى تنازع بين الاحكام، ويكون واجب المكلّف هو تقديم الاهم من الملاكات على مزاحمه (منازعه)، ويوضِّح الشهيد الصّدر كيفية معالجة حالات التزاحم بقوله : «إنّ القانون الذي تعالج به حالات التزاحم هو تقديم الاهمّ ملاكاً على غيره»(56). ومن الامثلة التشريعية على حالات التزاحم، هي حالة التزاحم بين الصّلاة وإنقاذ الغريق أو الجريح الذي يحتمل موته بسبب النّزف، فعندئذ يُقدّم إنقاذ الغريق أو الجريح على اداء الصّلاة. وكالتزاحم بين الحج والجهاد، فيُقدّم الاهم منهما، وكثيراً ما تقدّم الجهاد على الحج لضرورة الدِّفاع وحماية العقيدة والمصالح والاوطان . وهكذا يتّضح أنّ قاعدة علاج التزاحم تلغي أحد التكليفين، أي تلغي الوجوب أو الحرمة في المزاحم الاقل أهميّة، ما دام المكلّف مشغولاً بأداء مزاحمه الاهمّ. ومن المجالات التي تخضع فيها الاحكام لعمليّة التغيير، هو مجال التعادل بين المصلحة والمفسدة في ممارسة معيّنة، عباديّة كانت أو سياسيّة أو اقتصاديّة أو غيرها، وقد صيغ هذا المبدأ بقاعدة أصولية نصّها : «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة»، وتعبِّر هذه القاعدة التشريعية (الاُصولية) عن المجالات التي يتغيّر فيها الحكم بسبب التغيّر في الملاك، فالشيء الذي كانت ممارسته مُباحة أو كان واجب الاداء وطرأت عليه عوارض وطوارئ فصارت ممارسته تجلب النّفع، كما تؤدِّي الى الضرر في آن واحد، وبشكل يتوازن فيها الضّرر مع النّفع، فعندئذ يأتي مبدأ درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ويتوقّف جواز أو وجوب الفعل بعد أن كان واجباً أو مباحاً إذا كان في فعله مفسدة. كما يتوجّب ترك الشيء الواجب الفعل إذا كان في فعله مفسدة تعادل المصلحة القائمة فيه. مثل المصلحة القائمة في المقاطعة السياسية لدولة تسيء الى الدولة الاسلامية وتشنّ ضدّها حملة دعائيّة، غير أنّ هذه المقاطعة يترتّب عليها مضار عسكريّة، كإلغاء عقود بيع الاسلحة لصالح الدولة الاسلامية، فعندئذ يتمّ حساب المصلحة والمفسدة، ويكون درء المفسدة أولى من جلب المصلحة .
|
|