اسم الكتاب: الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي
الاُسس التشريعية والقوانين التنفيذية
(هُوَ ا لّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الارْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إله إلاّ هُوَ العَزيزُ الحَكيمُ * هُوَ ا لّذِي أنْزَلَ عَلَيكَ الكِـتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهات فأمّا ا لّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلَهُ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاّ اللهُ والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إلاّ اُولُو الا لْبابِ ) .(آل عمران / 6 ـ 7) تتحدّث هاتان الايتان عن التكوين والتشريع، وتلفتان النظر الى أنّ خالق الانسان والعالِمُ بتكوينه الجسدي والنفسي والفكري هو الّذي شرّع الاحكام والقوانين التي تنظِّم حياته، وهو العالِم به وبأوضاعه وحيثيّات حياته، تكويناً وتشريعاً، وجعل التشريع بعلمه وعدله وحكمته قائماً على اُسس فكريّة عامّة سمّـاها القرآن (اُمُّ الكتاب) أي أصوله الكليّة الثابتة التي يُبنى عليها الفكر والتشريع بأسره، وبذا فرّق القرآن بين الاُسس والمبادئ التي يُبنى عليها التشريع، وهي مبادئ كليّة ثابتة، وبيّن تفصيلات قانونية لتنفيذ هذا المبدأ . ومادّة تلك الاُسس الكليّة هي المادة الاساسية لتلك القوانين التفصيلية وروحها ومقاصدها، فهي تعمل على تنفيذ روحها ومقاصدها وأهدافها، وقد عبّر عنها بعض الباحثين الغربيين أمثال مونتسكيو، عبّر عن تلك المبادئ الاساسية بروح القوانين، وعبّر عنها بعض علماء الاسلام بمقاصد الشريعة . وفي أحد تقسيمات التشريع الوضعي ودراسات فقهاء القانون، نجدهم قد قسّموا التشريع الى قانون أساسي (دستور) وقانون عام (القانون العادي). وهذا التقسيم يتقارب الى حدّ كبير مع المبدأ الذي وضّحه القرآن بنصّه الانف الذكر . فهو يوضِّح الثابت الذي لا يتغيّر، وما يمكن أن يطرأ عليه التغيير من الاحكام، كما ضرب لذلك مثلاً بقول الله تعالى عند مخاطبته آدم (ع) الممثِّل للنوع البشري مثبِّتاً له وثيقة حقوقه المعاشيّة في الحياة التي تمثِّل الاساس الفكري الثابت للتشريع المعاشي للانسان، قال تعالى : (إنّ لك ألاّ تجـوع فيها ولا تعرى*وأ نّك لا تظـمأ فيها ولا تضحى). (طه/118ـ119) وضّح الرّبّ سبحانه أنّ توفير الطّعام والشّراب والسّكن واللِّباس حقّ طبيعي للانسان،وأنّ هذا المبدأ مبدأ ثابت لا يتغيّر،ومن أجل تنفيذ هذا المبدأ شرّعت أحكام وقوانين ومفاهيم وقيم أخلاقية كثيرة،كأحكام الزّكاة والخمس وتحريم اكتناز المال والاحتكار والتلاعب بالاسعار وتخويل السلطة التشريعية باتّخاذ الاجراءات اللاّزمة لتنفيذ هذا المبدأ وتحقيقه في عالَم الانسان،وكفرض الضرائب الاضافية أو التدخّل لمنع الاحتكار وتحديد الاسعار والاُجور ومبدأ الكفالة والضّمان ... الخ. ومن دراسة وتحليل ملاكات الاحكام رأينا كيف يحدث التغيير من خلال الرّخص والعناوين الثانوية والتزاحم... الخ . ومن ذلك كلّه يتّضح لنا أنّ هناك تشريعات أساسية ثابتة لا تتغيّر، وهناك تشريعات تنفيذية لتلك المبادئ الاساسية يقبل بعضها التغيّر وفق معايير وضوابط سبق بيانها والحديث فيها . ومن أمثلة الاُسس التشريعية الثابتة، ما جاء في الايات الكريمة من حقوق المرأة : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة ) . وقوله : (وعاشروهنّ بالمعروف ) . وقوله : (ولينفق ذو سعة من سعته ) . وقوله : (ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف ) . ومن أجل أن تنفّذ تلك المبادئ الثابتة التي لا تتغيّر، شرّع الاسلام الاحكام والقـوانين والاعتبارات التنفـيذية التي تصوغ تلك المبادئ صياغة قانونية، وتلك القوانين التنفيذية يخضع بعضها للتغيير عند تغيّر شروطها وملاكاتها بسبب الظروف والعوارض الخارجية . ويمكننا أن نستنتج من دراسة النص القرآنيّ، إنّ هناك اُسساً ومحاور أسـاسية للمـفاهيم والاحكام سمّـاها القرآن (اُمّ الكتاب) وهي محاور ثابتة تدور عليها الاحكام والتشريعات والقوانين بشكل متغيِّر أو ثابت لتنفيذ مادّتها ومقاصدها; لذا نجد في السنّة النبويّة في مجالها التنفيذي ثلاثة أصناف من التشريعات هي : 1 ـ التشريعات الحكومية (صدرت عن النبيّ (ص) باعتباره حاكماً). 2 ـ الاحكام الاوّلية . 3 ـ الاحكام الثانوية .
|
|