فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي


الدولة ومنطقة الفراغ التشريعي

تمثِّل الدولة الاسلامية في الاسلام أعلى سلطة في الاُمّة، وهي السلطة السياسية المكلّفة بتطبيق الشريعة الاسلامية على المستوى الاجتماعي العام، لذا اُعطيت الدولة من السلطة والصلاحيّات القانونية ما يمكنها من تطبيق الاسلام وقيادة الاُمّة على أساسه، ويمكن تقسيم صلاحياتها الى :
1 ـ تطبيق القانون والنظام الاسلامي في مختلف المجالات والحقول .
2 ـ صلاحيّة الالزام بالتطبيق ، فللدولة الاسلامية أن تلزم الافراد بالقانون والنظام الاسلامي، وتستخدم القوّة المشروعة قانونيّاً لتنفيذ ارادة القانون الاسلامي .
3 ـ الصلاحية التشريعية : إنّ المشرِّع للقانون والتشريع الاسلامي هو الله سبحانه، وأنّ كتاب الله (القرآن الكريم) والسنّة النبويّة المطهّرة هما مستودع التشريع والقانون .
غير أنّ الدولة الاسلامية أعطيت صلاحيات تشريعية على ضوء الكتاب والسنّة، نذكر أبرزها بإيجاز، فهي :
أ ـ أعطى التشريع الاسلامي الدولة الاسلامية صلاحيّة تقديم الاهمّ على المهمّ عند التزاحم بين الواجبات، أو بين الواجب والمحرّم في مجـاله الاجتماعي . وهـذه الصلاحيّة قائمة على أساس تشخيص الموضوعات، وتقديم الاهم منها .
ب ـ أعطى التشريع الاسلامي الدولة الاسلامية صلاحية تعيين الواجب الكفائي ذات الطبيعة الاجتماعية عند انحصار ادائه بفرد أو بمجموعة من الافراد والالزام به، فيتحوّل من واجب كفائي الى واجب عيني، كالمعالجة الطبية والدفاع والوظائف الادارية وغيرها من الاعمال الكفائية الاخرى .
ج ـ تجميد العمل بالعنـوان الاوّلي والانتـقال الى العمل بالعنوان الثانوي عندما تطرأ ظروف مقتضية لذلك في المجال الاجتماعي. وقد سبق الحديث عن هذا الموضوع .
د ـ ملء منطقة الفراغ التشريعي : وقد تحدّث الشهيد الصدر عن منطقة الفراغ وعرّفها بوضوح كاف كما تحدّث عن صلاحيّات الدولة الاسلامية . ولكي تتّضح الفكرة لدى القارئ فلنعرِّفها بإيجاز .
إنّ دراسة وتحليل المجالات التشريعية في الاسلام توضِّح لنا أنّ هناكوقائع وموضوعات وقضايا قد بيَّنت الشريعة الاسلامية أحكامها وحدّدتها بشكل محدّد ومثبت، في حين تركت مساحات أخرى لم تحدِّد لها معيناً، وتركت أمر تحديد الحكم المناسب فيها للدولة الاسلامية (وليّ الامر)، فهو الذي يملا ذلك الفراغ، أي يحدِّد الحكم المناسب حسب الظروف والاوضاع . لذلك اختار الشهيد الصدر لها اسم (منطقة الفراغ)، وقد بحثت (منطقة الفراغ التشريعي) لدى فقهاء بعض المذاهب الاسلامية تحت عنوان (المصالح المرسلة) .
وعلى الرّغم من بعض التفاوت في التحليل والاستدلال والصياغة، فانّ المحور الاساس والمشترك في البحث هو : أنّ هناك مساحة لم تحدّد فيها أحكام، وترك أمر التقنين فيها للحاكم الشرعي، مقدِّراً ذلك وفق المصالح القائمة في حينها، على أنّ ذلك التقدير خاضع للتغيير والتبديل حسب الظروف والاوضاع، وهذا البحث التشريعي يدخل في مبحث الثابت والمتغيِّر من التشريع الاسلامي .
وقد بنى الشهيد الصّدر استدلاله على المُسلّمة العقيدية القائلة أنّ رسول الله محمّد (ص) يحمل بالاضافة الى شخصه الاجتماعي شخصيّة النبوّة ، ووُصف بها باعتباره متلقياً للوحي عن الله سبحانه ومبلِّغاً له . وشخصية الولاية باعتباره ولي أمر المسلمين، وحاكماً للاُمّة. وعلى هذا الاساس درست الاحكام والقوانين والمواقف الصادرة عن الرسول (ص)، ويمكن أن نُقسِّم ما صدر عنه الى قسمين :
1 ـ ما صدر عنه باعتباره (ص) نبيّاً مبلِّغاً عن الله سبحانه . وتلك أحكام ثابتة لا تغيير فيها ولا تبديل إلاّ لاسباب وظروف وطوارئ; كالضرورات والضرر والتزاحم وأمثالها. وهذا التبديل يزول بزوال الطارئ .
2ـ ما صدر عنه باعتباره حاكماً وولي أمر للمسلمين يُقدِّر مصالحهم ويرعاها ضمن الظروف والاوضاع القائمة في عصره،كأسلوب ادارة السلطة والحياة الاقتصادية...الخ.ومثل هذه الممارسات النبوية الكريمة ليست ثابتة،بل هي خاضعة للتغيير والاستبدال،ذلك لانّ الرسول(ص) اُعطي هذه الصلاحية باعتباره حاكماً له أن يختار من الاحكام والممارسات ما يحقِّق به المصالح في المجالات التي لم تحدّد من قِبَل التشريع الالهي، وهذه الصلاحية تنقل الى كل من يخلف الرسول (ص) في ادارة شؤون الدولة على أن يكون مؤهّلاً لذلك في عرف الشريعة الاسلامية .
وقد تحدّث الشهيد الصّدر عن منطقة الفراغ، عند بيانه للمذهب الاقتصادي في الاسلام بقوله :
«... فانّ المذهب الاقتصادي في الاسلام يشتمل على جانبين : أحدهما: قد ملئ من قِبَل الاسلام بصورة منجزة، لا تقبل التغيير والتبديل. والاخر: يشكِّل منطقة الفراغ في المذهب، قد ترك الاسلام مهمّة ملئها الى الدولة أو (ولي الامر) يملؤها وفقاً لمتطلّبات الاهداف العامّة للاقتصاد الاسلامي في كلّ زمان...».
ثمّ يمضي في بيانه لمنطقة الفراغ فيقول :
«... فانّ النبيّ الاعظم (ص) قد ملا ذلك الفراغ بما كانت تتطلّبه أهداف الشريعة في المجال الاقتصادي على ضوء الظروف التي كان المجتمع الاسلامي يعيشها، غير أ نّه (ص) حين قام بعملية ملء هذا الفراغ لم يملاه بوصفه نبيّاً مبلِّغاً للشريعة الالهية الثابتة في كلّ زمان ومكان ; ليكون هذا الملء الخاص من سيرة النبيّ (ص) لذلك الفراغ .. معبِّراً عن صيغ تشريعية ثابتة، وإنّما ملاه بوصفه ولي الامر، المكلّف من قِبَل الشريعة بملا منطقة الفراغ وفقاً للظرف»(57).
ثمّ كتب في موضع آخر في منطقة الفراغ التشريعي والبدائل الاجتهادية وصلاحية السلطة والدولة في ملء هذا الفراغ، واختيار البديل الاجتهادي وعلاقة ذلك بالثابت والمتغيِّر ما يلي :
«إنّ الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع، بمعنى أنها هي المصدر الذي يستمد منه الدستور، وتشرّع على ضوئه القوانين في الجمهورية الاسلامية، وذلك على النحو الاتي :
أوّلاً : إنّ أحكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعتبر بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية جزءاً ثابتاً في الدستور، سواء نصّ عليه صريحاً في وثيقة الدستور أو لا .
ثانياً : إنّ أي موقف للشريعة يحتوي على أكثر من اجتهاد يعتبر نطاق البدائل المتعدِّدة من الاجتهاد المشروع دستوريّاً، ويظلّ اختيار البديل المعيّن من هذه البدائل موكولاً الى السلطة التشريعية التي تمارسها الاُمّة على ضوء المصلحة العامّة .
ثالثاً : في حالة عدم وجود موقف حاسم للشريعة من تحريم أو ايجاب يكون للسلطة التشريعية التي تمثِّل الاُمّة أن تسنّ من القوانين ما تراه صالحاً على أن لا يتعارض مع الدستور، وتسمّى مجالات هذه القوانين بمنطقة الفراغ .
وتشمل هذه المنطقة كل الحالات التي تركت الشريعة فيها للمكلّف اختيار اتخاذ الموقف. فانّ من حق السلطة التشريعية أن تفرض عليه موقفاً معيّناً وفقاً لما تقدِّره من المصالح العامّة على أن لا يتعارض مع الدستور»(58).
«وهذه الاحكام تشتمل على قسمين من العناصر:أحدهما:العناصر الثابتة،وهي الاحكام المنصوصة في الكتاب والسنّة، فيما يتّصل بالحياة الاقتصادية.والاخر: العناصر المرنة والمتحرِّكة، وهي تلك العناصر التي تستمد ـ على ضوء طبيعة المرحلة في كلّ ظرف ـ من المؤشرات الاسلامية العامّة التي تدخل في اطار العناصر الثابتة، فهناك إذن في العناصر الثابتة ما يقوم بدور مؤشرات عامّة تعتمد كاُسس لتحديد العناصر المرنة والمتحرِّكة التي تتطلّبها طبيعة المرحلة»(59).
إنّ دراسة وتحليل مفهوم منطقة الفراغ عند الشهيد الصّدر يوصلنا الى أنّ هذه النظرية التشريعية تبتني على الاتي :
1 ـ انّ هناك أحـكاماً الزاميّة محـدّدة بوضوح فقـهي مطلق من الحرمة والوجوب، وهناك مجالات لم يحدِّد الاسلام فيها حكماً الزاميّاً محدّداً، بل ترك فيه الخيار للمكلّف نفسه .
2 ـ انّ الدولة الاسلامية (وليّ الامر) هو المخوّل بسنّ تلك القوانين لملء تلك المجالات الشاغرة على ضوء الظروف والاوضاع ، وهي خاضعة للتغيير ، حسب الظروف والاوضاع الاجتماعية القائمة .
3 ـ انّ المصالح هي الاساس في تحديد طبيعة تلك القوانين .
وهكذا تكوِّن هذه العناصر الثلاثة ركائز هذه النظرية .
وعند دراسـة وتحليل نظـرية (المصـالح المرسـلة) أو نظـرية (الاستصلاح) نجدها عند بعض من قال بها، متقاربة مع نظرية منطقة الفراغ .
ولنقـرأ ما كتبه العلاّمة السيّد محمّد تقي الحكيم لايضـاح معنى (المصالح المرسلة) بنقله لمعنى المصلحة والارسال عن أساطين أصحاب هذه النظرية قال :
وعرّفها الطوخي بقوله : «هي السّبب المؤدِّي الى مقصود الشّرع عبادة وعادة» ، وأراد بالعبادة «ما يقصد الشارع بحقّه والعادة : «ما يقصده الشارع لنفع العباد، وانتظام معايشهم وأحوالهم» (60) .
وبعد هذا العرض لخّص آراءهم في تعريف الارسال بقوله :
« أمّا تعريفهم للارسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أنّ معناه عدم الاعتماد على نصّ شرعيّ، وانّما يترك للعقل حقّ اكتشافها.بينما يذهب البعض الاخر الى أنّ معناها هو عدم الاعتماد على نصّ خاص، وإنّما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامّة، واستناداً الى هذا التفاوت في معنى الارسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة. فابن برهان يعرِّفها بقوله : ما لا تستند الى أصل كلِّي أو جزئي... بينما يذهب الاُستاذ معروف الدواليبي الى ادخالها ضمن ما شهد له أصل كلِّي من الشريعة، يقول ـ وهو يتحدّث عن الاستصلاح ـ الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبنيّ على المصلحة، وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نصّ عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تُقاس بها، وانّما بُني
الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامّة برهنت على أنّ كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى:(إنّ الله يأمر بالعـدل والاحسـان) ، ومثل قـوله (ص):لا ضَرر ولا ضِرار»(61) .
وهكذا تتّضح أمامـنا نظرية تشريعية بحثت تحت عنـوانين ـ مع اختلاف القائلين بهما ـ وهما عنوان (منطقة الفراغ) و عنوان (المصالح المرسلة) والبحث في كلا العنوانين يُشخِّص وجود مساحة لم يحدِّد فيها الشارع حكماً صريحاً، وإنّما ترك الامر لتقدير المصالح التي يواجهها الجيل المعايش .
وهذا المبـحث التشريعي هو من أهم مباحث الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي الذي ظلّ مرناً ومفتوحاً لاستيعاب حركة التطوّر والتغيير في الحياة الانسانية .
ومن الامثلة على الاحـكام المرنة والمفتوحة، هي مساحة الشروط والعقود التي تحتلّ مساحة واسعة من الحياة البشرية، فقد فسح الاسلام المجال أمام الاشخاص لانشاء العقود وتثبيت الشروط المختلفة للمـعاملات التي يتعاملون بها ـ حسب ظروفهم وأوضاعهم المدنيّة ـ على أن لا تتعارض تلك الشروط مع المبادئ الثابتة في الاسلام .
ومن أمثلة ذلك أنّ طلاق المرأة في الشريعة الاسلامية هو بيد الرّجل، ومن حقّ الرّجل أن يوكل شخصاً عنه لايقاع الطّلاق. فاستنتج الفقهاء جواز توكيل الرّجل المرأة على طلاق نفسها منه، كما يحقّ لها أن تشترط عليه في متن العقد أن يجعل الطّلاق بيدها وفق الشروط والاوضاع التي تثبّت في متن العقد .
وهكذا يتّضح بشكل موجز مفهوم الثابت والمتغيِّر، وقدرة الاسلام على استيعاب الحياة بشقّيها الثابت كالحاجات الاساسيّة للانسان مثل الطّعام والشّراب والعلاج والامن... الخ . والمتغيِّر مثل وسائل وأساليب تنفيذ الثابت أو ما يُستجدّ من وقائع وحوادث في الحياة البشريّة .
«والحمد لله ربّ العالمين»

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com