اسم الكتاب: الصلاة عبادة وتربية
3 ـ القِبلة
القِبلة (هي موضع التوجّه في الصلاة)، والمسجد الحرام في مكة المكرّمة هو قبلة المسلمين، ووجهة قلوبهم، ومهبط أرواحهم. وقد كان المسلمون في بداية الاسلام يتوجهون الى بيت المَقْدِس في صلاتهم، ثمّ أُمِرَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بتحويل القِبلة، والتوجّه نحو المسجد الحرام في مكة المكرمة، حينما خوطب بالآية الكريمة: { قَدْ نَرى تَقَلّبَ وَجهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلّينَّكَ قِبلةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وَحيثُ ما كنتُم فَوَلُّوا وُجوهَكُم شَطْرَهُ، وإنَّ الذينَ اُوتوا الكتابَ لَيَعْلَمونَ أنَّهُ الحقُّ مِنْ رَبَهّم وما اللهُ بغافلٍ عمَّا يعملون* وَلئنْ أتيتَ الَّذينَ أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تبعُوا قِبلتَكَ وما أنتَ بتابعٍ قِبْلَتَهم وما بعضُهم بتابعٍ قِبلةَ بعضٍ، وَلئنِ اتَّبَعْتَ أهواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذَنْ لمِنَ الظّالمِيَن}.(البقرة/144 ـ 145) ذلك نصّ الخطاب الالهي القاضي بتعيين القِبلة الجديدة التي ارتضاها الخالق الحكيم أن تكون قبلة للاُمة المسلمة. والقِبلة تلك الجهة التي يوليّ المسلم وجهه شطرها في صلاته ودعائه، أو حتى في جلسته ومنامه، ويتوجّه إليها بقلبه ومشاعره، فهذا التوجّه والارتباط يوحي بأكثر من معنى، ويغرس في نفس المتعبد أكثر من فكرة وعلاقة. فالقِبلة الموحّدة مصدر توحيد وجمع للاُمة التي يتوجّه أفرادها بقدسية واحترام اليها في كل يوم مرّات عديدة. فهي محطّ أنظارهم، وموضع توجهّهم، ومحلّ تقديسهم. وهي بؤرة التجمّع لمشاعرهم، ونقطة الالتقاء في عواطفهم. وهي المنوال الذي تنسج عليه عواطف الحبّ والاتحاد. والقِبلة التي تستقطب هذه العواطف، وتلف من حولها هذه الاُمة، لهي قادرة على تمييز شخصية الاُمة المسلمة، وتحديد وفرز وجهتها وكيانها عن غيرها من الاُمم. وتحديد القِبلة، وتركيزها بمكان مقدّس ـ في تاريخ العبادة والتديّن ـ ليحدد للاُمة مركزاً روحياً تهفو إليه النفوس، ومقدّساً حسّياً تستلهم منه معاني الاسلام التي هبطت في دياره وربوعه، فيكون للتوجّه إلى المسجد الحرام ـ داخل مكة المكرمة ـ معنى موحٍ بالشد الوجداني والعقائدي وقوة تحفّز على التفاعل النفسي والروحي المستمر، والتذكّر الدائم بالاسلام ومعانيه الخالدة، واستمرار الاهتمام والشغف الروحي بميراث الرسالات، ومواضع استلهام المقدّسات التي هبطت في تلك البقاع المقدسة، فانبثقت منها عقيدة الانسان المسلم في الحياة، ونمت فيها أهدافه وغاياته، فلذلك كله جُعِلت القِبلة أحد أبعاد الهيكل الروحي الذي يحيط بمعاني الصلاة في الاسلام، واعتُبِرت شرطاً في صحّتها. وحفظاً لعقيدة التوحيد، وتنقية لمفهوم الايمان ممّا قد يشوبه من الانحراف، أو يعلق به من متطاير أفكار الاُمم المنحرفة من التجسيم والصنميّة، نبّه القرآن الحكيم الى حقيقة هامّة ترتبط بالغاية من القِبلة، تعرّف بحقيقة العلاقة بين الانسان وخالقه، فأوضح أنّ التوجّه الى مكان محدّد، لا يعني حصر التوجّه الى الله بهذا الاتجاه، ولا يعني ارتباط العبادة بمحدود يحسّ، فهو سبحانه منزّه عن المكان والزمان والجهة...الخ، ووجوده لا يرتبط بتلك الأبعاد الحسيّة، ولا يحتاج إليهما، وإنما جعل هذا التوجّه لغايات تعبدية وإنسانية تخصّ المسلمين أنفسهم، لذلك ورد قوله: { وَللهِ المَشرقُ والمغرِبُ فأينما تُولُّوا فَثَمَّ وجهُ اللهِ إنَّ اللهَ واسعٌ عليمٌ }.(البقرة/115) { إنّي وَجَّهْتُ وَجْهيَ للَّذي فَطَرَ السَّماواتِ والأرضَ حَنيفاً وَما أنَا مِنَ المُشركينَ }. (الأنعام/79)
|
|