فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الصلاة عبادة وتربية


5 ـ الحضور والاخلاص

«إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربّه»(10).
«ليسَ مِنّي مَن استخفَّ بالصّلاةِ، لا يرد عليَّ الحوض، لا والله» (11).
الصلاة لا قيمة لها إن كانت اداءً آلياً محضاً، وإيقاعاً لفظياً وحركياً أجوف.
والصلاة لا تؤدي أغراضها إذا كان المصلي حاضراً بجسده وهيكله في موضع الصلاة، وغائباً بروحه ووعيه عمَّن يناجيه ويعبده، فلابُدَّ من حضور حقيقي يصل حدّاً يعرف به الانسان قيمة
الموقف، وجلال المعبود الذي يناجيه بصلاته ودعائه، لتستطيع النفس استيعاب معاني الصلاة بأبعد آثارها النفسية والروحية والاصلاحية، من خشوع، وحبّ لله، ورغبة في ثوابه، واستقامة في السلوك، وصحّة في التعامل مع الناس...الخ.
ليتحقق انفعال النفس وتأثرها بالألفاظ والعبارات والأفعال العبادية التي تؤديها، وليترك كل لفظ ينطق به الانسان، أو فعل يؤدّيه، أثره الايماني في النفس البشرية، فاذا ركع أو سجد، عرف معنى الخضوع والخشوع لعظمة الله، وأدرك زيف الكبرياء البشري والغرور الانساني.
وإذا رفع يديه بالدعاء لوالديه، ولاخوانه المؤمنين شعر بالمحبة، والرحمة، والتعاطف، وحبّ الخير للآخرين..الخ.
ولذا امتدح القرآن الكريم صلاة الخاشعين، وعظّم موقفهم المنفعل بمشاهر الهيبة والجلال، فقال:
{ قَدْ أفلَحَ المؤمنونَ * الّذينَ هُمْ في صلاتِهم خاشعون }.(المؤمنون/1 ـ 2)
ولذا أيضاً دعا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القلوب المتعبدة الى الارتباط بالله، والاخلاص له، والحضور الصادق بين يديه، فقال:
«لا ينظر الله الى صلاة لا يحضر الرّجل فيها قلبه مع بدنه»(12).
ويروى أنه كان (صلى الله عليه وآله وسلم) جالساً في المسجد مرّة، فدخل رجل فقام يصلي، فلم يتمّ ركوعه ولا سجوده، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا، وهكذا صلاته، ليموتنّ على غير ديني»(13).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً : «من صلّى ركعتين ولم يحدّث فيها نفسه بشيء من أمور الدُّنيا، غفرَ الله لهُ ذنوبه»(14).
وقال الامام الصادق (عليه السلام): «لا تجتمعُ الرَّغبة والرَّهبة في قلب إلاّ وجبت له الجنّة، فاذا صلّيت فأقبل بقلبك على الله عزّ وجل، فإنّه ليس من عبد مؤمن يقبل بقلبه على الله عزّ وجلّ في صلاته ودعائه، إلاّ أقبل الله عليه بقلوب المؤمنين، وأيده مع مودّتهم إياه بالجنّة»(15).
وطبيعي ان الحضور في الصلاة لابُدَّ وأن يلازمه إخلاص النيَّة لله، وصدق التوجّه اليه، بلا رياء، أو تظاهر بالصلاح والتقوى أمام الناس أو اعجاب بالعبادة واغترار بها، ليستجمع المصلّي قصده وإرادته فيتوجّه بكل أحاسيسه وعناصر وجوده الى الله سبحانه.
وباخلاص العمل لله تصفو النفس، وتستعد قواها لتلقّي فيوضات الكمال الالهي، فتستحق بموقفها هذا، الرحمة والمغفرة والثواب.
قال تعالى: { وَمَنْ يُسْلِم وَجْهَهُ الى اللهِ وَهُوَ مُحسِنٌ فَقَدِ استمسَكَ بالعُرْوةِ الوثقى وإلى اللهِ عاقِبةُ الاُمورِ }.(لقمان/22)
وإذن لابُدَّ في الصلاة من اجتياز ساحة الحس والمشاهدة المادية، والاطلال باحساس الروح والوجدان على عالم الجلال والملكوت الأعلى والحضور بهذه الحالة المتيقظة بين يدي الله سبحانه، لتستريح الروح المثقلة بعناء الحياة ونير الذنوب من معاناتها المرهقة، ولتتنفس عبير القرب والراحة عبر هذه الأجواء الروحية العبقة.
وصدق الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول لبلال حين يدعوه ليؤذّن للصلاة: «أِرْحنا يا بلال»(16).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com