اسم الكتاب: حول الاحكام الاسلامية
3 ـ ماذا يَعني الحكم
إذا أراد أحدنا أن يتابع الحياة الانسانية ، ويستقرئ ما يصدر عنها من أحداث ووقائع ومواقف ونشاطات ومعاملات يمكنه أن يقسمها كالآتي: 1 ـ قسم منها يخص علاقة الانسان بخالقه كالصلاة والصوم والحج . . الخ . 2 ـ قسم منها يخص علاقة الانسان بنفسه ، كالنظافة والطهارة والحفاظ على حياته . . . الخ . 3 ـ قسم منها يقع في دائرة علاقة الانسان بالآخرين ، كالعلاقة بالافراد والاسرة والمجتمع والدولة مثل حقوق الزوجية ، والميراث والتجارة والقضاء والسياسة وعلاقات العمل . . .الخ . 4 ـ قسم منها يمثل علاقة الانسان بالحيوان والنبات والطبيعة وما فيها من خيرات وثروات ، أو علاقته بالاشياء والمنتجات والمواد ، كالخمر والافيون والبول . . . الخ . 5 ـ علاقة الانسان العلمية والعقلية بكل ما سبق . . . الخ . وكل هذه النشاطات والعلاقات متشابكة وتحتاج إلى تنظيم وبيان موقف محدد منها ، كالوجوب ، والحرمة والاباحة . . .الخ . وان هذا التنظيم والتحديد الذي ينظم علاقة الانسان ومواقفه ونشاطاته نسميه (حكماً) . فمثلاً: حكم الاسلام بوجوب معرفة الله ، وبوجوب الصلاة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ، وأباح خيرات الارض للجميع ، وحرم الظلم والخمر والغيبة ، وحكم بنجاسة البول ، وبأن الذي يقتل شخصاً عمداً عدواناً تربطه به رابطة الميراث لا يرثه . الخ . فالاسلام في هذه الحالات نجده قد حدد الموقف ، وشرع القانون (أي أوجد حكماً) هدفه تنظيم الحياة والعلاقات الانسانية المختلفة وأن هذا الحكم صادر عن الله سبحانه . . وبذا يكون الحكم (هو التشريع الالهي المنظم لحياة الانسان وعلاقاته المختلفة) . لذا كانت دائرة هذه الاحكام تتسع باتساع دائرة الحياة ـ صغيرها وكبيرها ـ ، وتشمل كل وقائعها . فالشريعة الاسلامية تحوي بين جنبيها طاقة تشريعية عظيمة ، وقابلية فريدة على التوالد والعطاء القانوني . وهذا هو سر خلود الشريعة ومصدر حيويتها وأصالتها ، فالمسلم يجد لكل ما يهم بفعله أو يصادفه حكماً تشريعياً ، فما من قضية صغيرة ولا كبيرة في الحياة ترتبط بعلاقة الانسان إلاّ ولها حكم ، وموقف شرعي محدد ، يبين تكليف الانسان ووظيفته العملية بطريقة قانونية واضحة ، جرياً على القاعدة الشرعية القائلة (ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم) . ومنه يتبين أن الانسان المكلف في اطار التشريع الاسلامي يتمتع برؤية سلوكية واضحة ودقيقة من ناحية . . كما يملك مقياساً عملياً يستطيع بموجبه تحديد وضبط تلك الرؤية بصورة مستمرة . . . بما لديه من أحكام شرعية، من ناحية أخرى . وأن هذا المقياس العملي متاح للانسان منذ سن التكليف الشرعي ليسير على هداه ، مما يحقق له السعادة ويجلب له المصلحة ، كما يدرأ عنه الشقاء والمفسدة ، ومن هنا نفهم قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لامته المسلمة متحدثاً عما جاء به من شريعة: «جئتكم بخير الدنيا والآخرة» .
|
|