فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول الاحكام الاسلامية


6 ـ الضرورَة وتغيّر الحكم

أشرنا في ما سبق من البحث إلى أن الحكم مرتبط بطبيعة الفعل وآثاره، وقلنا أن الوصف الذاتي للموضوع هو الذي يحدد طبيعة الحكم ـ من الوجوب والحرمة والاباحة . . . الخ ـ وأن الحكم عنوان يكشف عن طبيعة الموضوع .
لذا كان الفعل الواحد لا يحتمل في واقعه إلاّ حكماً واحداً ـ فشرب الخمر مثلاً لا يمكن أن يوصف في واقعه إلاّ بالحرمة ـ ، والجهاد لا يوصف إلاّ بالوجوب . . . الخ- إلاّ أن ظروفاً خارجية كثيرة قد تحيط بالانسان ، وهي ظروف عرضية يفرض وجودها تغير الحكم ، ويستدعي تبدل صفة الفعل .
وقد نظر التشريع الاسلامي إلى هذه الحقيقة نظرة واقعية دقيقة، فأجاز ايقاف العمل بالحكم المقرر أساساً ـ الحكم الواقعي الاولي ـ ايقافاً مؤقتاً إذا حدثت ظروف قاهرة غير اعتيادية تضطر الانسان لمخالفة هذا الحكم أو تغييره ـ لدفع الحرج والمشقة والضرر عن الانسان أو لتحقيق مصالحه الانسانية المعتبرة -
وبهذه المراعاة ـ مراعاة المصالح الانسانية المعتبرة- تبقى التشريعات الاستثنائية ـ الحكم الواقعي الثانوي ـ محافظة على غاية التشريع الاساسية وأهدافه ، والتي هي:
(حفظ المصلحة ودرء الضرر والفساد)
وتمشياً مع هذه القاعدة الاسلامية تتبدل عناوين الكثير من الموضوعات ، فقد ينقلب الواجب والمباح فيصير محرماً ، أو يصير المباح والمحرم واجباً ، فمثلاً:
أباح الاسلام للمكلف فعل المحرم عندما تدعو الضرورة القصوى إلى ذلك، وعندما يتوقف على استعمال المحرم دفع الخطر الفادح ، لحماية النفس أو المال أو العرض . . . إلاّ أن هذه الاباحة تنتهي بانتهاء الاضطرار الداعي لها .
قال تعالى: ( . . .فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم) .
(البقرة/173)
وعلى أساس هذا التصريح القرآني الحكيم . . . صيغت القاعدة الفقهية الواسعة فقيل: (عند الضرورات تباح المحظورات) .
وانطلاقاً من هذه القاعدة أباح الاسلام للجائع الذي أشرف على الهلاك أن يأكل لحم الميتة . . . وأن يأخذ من مال غيره غصباً ـ ان امتنع عن الاستجابة له ـ لدفع خطر الجوع المهلك عن نفسه أو أهله .
وللسبب ذاته أعطى الاسلام المظلوم حق اغتياب الظالم ، والتشهير به ، وكشف عيوبه ، لهدم كيانه ، واضعاف سلطته .
قال تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظلم وكان الله سميعاً عليما).(النساء/148)
ومثال آخر على تغير الحكم هو: تغيير المباح ، ونقله من مرحلة الاباحة إلى الوجوب أو الحرمة ، حسب الضرورة الطارئة الداعية إلى ذلك التغيير للتعامل بواقعية وموضوعية مع هذا الظرف الشاذ الطارئ، ريثما تعود الامور إلى مجاريها الطبيعية ، فيحتل التشريع الطبيعي مكانه حسبما هو مقرر في أصل التشريع . . فمن الامثلة على المباح الذي يصبح حراماً (هو كل مباح لا تتحقق المصلحة إلاّ بتركه ، أو يترتب الضرر على فعله ـ بسبب طارئ-) .
مثاله: بعض المأكولات المباحة التي يصبح أكلها خطراً على حياة الانسان وصحته؛ كما لو نهى طبيب أحد المرضى عن استعمال نوع معين من الطعام ، ويتأكد للمريض الضرر من الاستعمال ، فإن أكل المريض ذلك الطعام وصار سبباً في الاضرار بصحته ، أو ادى إلى وفاته ، فإنه فعل محرماً ، وأثم على مخالفته هذه .
وكما يحصل هذا التغيير في المباح في المجالات الفردية فإنه يحصل كذلك في المجالات الاجتماعية ، والاقتصادية والسياسية . . . الخ . ومثال هذا التغيير في أحكام الاباحة في المجال الاجتماعي ما حصل في ايران حينما أفتى المجتهد الاكبر ميرزا محمد حسن الشيرازي بحرمة تدخين التبغ الذي كانت تحتكره شركة استعمارية انجليزية ، فأصدر فتواه هذه كحرب اقتصادية ضد المستعمر الغاصب؛ فأصبح تدخين التبغ حراماً بعد أن كان مباحاً ، ومحللاً ، لان مصلحة المسلمين تقتضي هذا التحريم من أجل الحفاظ على حقوق الامة ، وحماية ثروتها من أعدائها الغاصبين؛ لذا كان مفعول هذه الحرمة سارياً وملزماً لكل المسلمين حتى زال سبب الاستثناء والتحريم ، وفعلاً فقد نفذ الايرانيون المسلمون قرار التحريم هذا حتى فشلت الشركة الاحتكارية الاستعمارية فالغت احتكاراتها وعادت سيطرة المسلمين على ثروتهم واموالهم .
وهناك حالات أخرى تتغير فيها عناوين الحكم فيصبح فيها الواجب الكفائي(3) واجباً عينياً(4) لضرورة تقتضي ذلك .
مثال ذلك: لو ارتأت الدولة الاسلامية القائمة على أساس الاسلام ، أن البلاد الاسلامية بحاجة إلى تخصص علمي في فروع معينة من العلوم لحاجة الامة إليها ، ولتوقف المصلحة عليها ، وطلبت من بعض الافراد المؤهلين لهذا التخصص القيام بهذا الواجب . . فان هذا التخصص يصبح واجباً عينياً عند صدور حكم الدولة الشرعية . . بعد أن كان واجباً كفائياً ، فيصير الفرد ملزماً بالتخصص والعمل بصورة شخصية .
وكذلك إذا أسندت الدولة الاسلامية مسؤولية أو وظيفة في الجهاز الحكومي إلى أفراد كفوئين ومؤهلين من أبناء الامة، فان الفرد يكون ملزماً بالاستجابة لقرار الدولة ، وليس له حق الرفض لهذا الواجب إلاّ مع المبرر الشرعي المعقول ، ويصبح ممارسة هذه الوظيفة واجباً عينياً ملزماً بعد أن كان واجباً كفائياً . . وهناك أمثلة كثيرة ومتعددة لهذه التطبيقات لا مجال لذكرها وتعدادها .
وقبل أن نختم البحث يجب أن نذكر: أن التغيير كما لاحظنا هو خروج على الاصل (الحكم الاساسي) ، وهو قضية مؤقتة تدعو اليها الحالات الاضطرارية ، أو المصالح التي يتوقف عليها اقرار وحفظ المجتمع؛ والتي لا يملك الانسان معها إلاّ أن يلجأ إلى البديل، مع ملاحظة أن هذا البديل المؤقت هو أيضاً جاء من حيث الهدف والغاية من أجل تحقيق أهداف الاسلام الكلية ، والتوافق معها والتعبير عنها لتيسير الطاعة ، وتحقيق المصلحة الانسانية ، ودفع المشقة والضرر عن الفرد والجماعة ، بمقتضى علم المشرع وحكمته .
فليس معنى التغيير في عناوين الاحكام ـ بسبب الظرف الطارئ ـ هو التلاعب بروح الشريعة ، أو التحايل على أهدافها ، كما لا يصح أن تتخذ هذه القابلية في الشريعة الاسلامية ستاراً لتغيير الاحكام ، أو التلاعب بها على مقتضى الهوى ، أو الرأي المجرد .
ذلك لأن لهذا التغيير أصولاً وقواعد ، يلزم اتباعها على نحو ما يلزم من الاصول والقواعد المتعلقة باستنباط الاحكام بصفة عامة .
كما أن الحكم اذا تغير للسبب الطارئ المشروع ، فان الحكم الجديد له ما للحكم الاول من حيث المشروعية ، كما أنه يعد تكليفاً شرعياً يخاطب به المكلف ، ويلزم به أو يخير بحسب ورود الخطاب .
فمثلاً اذا كان الصيام واجباً على المكلف بتوفر شروطه ، فإنه محرم على المريض ، فتكون حرمة الصيام عندئذ حرمة شرعية على وجه الالزام والتحتيم ، ويكون صيام المكلف المريض فعلاً محرماً ، وتترتب عليه سائر الاحكام .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com