فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول الاحكام الاسلامية


الاجتهاد

هو(عملية علمية يمارسها الفقيه لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية الخاصة بتنظيم الحياة الانسانية) .
أو هو: (عملية اكتشاف الاحكام الاسلامية واستخراجها من مصادرها الاساسية) كأحكام العبادات والتملك والعمل والمال والقضاء والسياسة وشؤون الاسرة . . . الخ .
ولهذه العملية العلمية (الاجتهاد) دور حضاري ومدني متقدم وخطير في حياة الفرد والمجتمع والدولة ، اذ يساهم الاجتهاد في تنمية الحياة المدنية والحضارية ، وفتح الآفاق القانونية والتشريعية أمامها ، لهدم سدود الحجر والجمود والتوقف ، ولولا عملية الاجتهاد هذه لتعذر تنامي النشاطات الانسانية في اطار الحياة الاسلامية؛ فالحياة الانسانية تنمو وتتحرك وتتطور ، والعلاقات الانسانية تزداد وتتعقد ، والاحداث والوقائع الانسانية تولد وتستجد ، وكل هذه المستجدات والمستحدثات ـ كالبنوك والشركات وعلاقات العمل والادارة والمصنوعات والمكتشفات . . . الخ ـ من قضايا الحضارة والمدنية بحاجة إلى تنظيم قانوني ، وبيان شرعي ، يبين تكليف الانسان المسلم وينظم علاقاته ، ويحدد موقفه ووظيفته الشرعية .
وعملية الاجتهاد هذه هي المسؤولة عن تلبية كل هذه المطالب وتوفير الاجابة عن كل سؤال يطرأ في هذا المجال ، ولولا عملية الاجتهاد لوجد المسلم الملتزم نفسه أمام موقفين لا ثالث لهما:
الموقف الاول: هو التحجر والجمود واعتزال كل جديد ومتطور في الحياة ، لعدم معرفته بتكليفه الشرعي ، وعدم وضوح الحكم الشرعي الخاص بالقضايا المستجدة في حياة الانسان .
والموقف الثاني: هو التحلل من الالتزام الشرعي والذوبان في كيان الحضارة والمبادئ غير الاسلامية ، وأخذ القوانين والمفاهيم وتحديد المواقف والسلوك بالاعتماد على المناهج والنظريات والمبادئ التشريعية والحضارية غير الاسلامية ، وفي كلتا الحالتين يكون الموقف ضرباً لاهداف الاسلام ، وايقافاً لامتداد الشريعة الالـهية الخالدة ، ومخالفة لروحها الحية المعطاء .
ويرتبط بهذين الموقفين موقف حضاري ودولي خطير وهو تعجيز الاسلام عن مسايرة الحياة، وقطع الطريق أمام قيام كيان دولي وحضاري متطور للامة الاسلامية ، وغياب اللطف الالـهي عن دنيا الانسان ، وتركه للفوضى والتخبط الحضاري .
وكل ذلك مخالف لاهداف الاسلام ، ومتعارض مع روح الشريعة وقيم الرسالة الاسلامية الخالدة كما يشهد القرآن الحكيم ، والسنة المطهرة بذلك .
قال الله تعالى:
( . .ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) .(النحل/89)
وجاء في الحديث الشريف: ((ان الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء ، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج اليه العباد ، حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أُنزل في القرآن ، إلاّ وقد أنزله الله فيه))(5) .
((ان القرآن حي لم يمت ، وأنه يجري كما يجري الليل والنهار ، وكما تجري الشمس والقمر ، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا))(6).
وبالتأمل في هذه النصوص الاسلامية الخالدة نعرف أن القرآن وهو منبع الاسلام ومصدر شريعته ، ووعاء أحكامه وقوانينه وقيمه ومفاهيمه ، خالد خلود الليل والنهار ومصباح يرسل أشعة الهدى على كوكب هذه الارض ما شعت الشمس والقمر .
ولكن ليس بوسع كل واحد منا ولا باستطاعة كل فرد أن يدرك الحياة بكاملها من خلال القرآن ، ولا أن يستنبط قوانين الحياة وشريعة الاسلام من كنوز الكتاب ((آيات القرآن خزائن ، فكلما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر فيها))(7) .
فهذا الغنى التشريعي ، وهذه الثروة الفكرية الضخمة التي استوعبتها آيات القرآن تحتاج إلى جهد علمي ، وبيان فكري ، قادر على الاغتراف من ينبوع هذا الكتاب ، وسحب الحاجة الآنية من أكداس هذه الخزائن .
وشيء طبيعي ، أن ادراك العمق القرآني والمدلول التشريعي للقرآن ليس واضحاً ، ولا محدداً في كل موقع وقضية ، وليس بوسع المجتهد (الفقيه) أن يقوم بهذه المهمة في المرحلة الاولى . انما هي مهمة مبلغ الوحي (الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)) المستوعب لروح الكتاب ، والعارف بتأويله ومداليله ، وكيفية صياغة روحه ومحتواه تشريعاً قانونياً وحكماً عملياً في الحياة بارشاد الـهي ، وتلق واضح عن طريق الوحي .
من هنا يتحدد دور السنة النبوية تجاه القرآن وهو الكشف عن محتوى القرآن وصياغته قانوناً وحكماً واضحاً في حياة الانسان في كل مجال لم يتحدد فيه هذا الحكم والوضوح ، وبذا تكون العلاقة بينهما ـ الكتاب والسنة ـ تشبه إلى حد كبير العلاقة بين الدستور والقانون .
فالدستور يبين الاصل الاساسي للتشريع والتقنين فينص مثلاً (على حرية التملك واحترام الملكية) ثم يوكل الامر إلى القانون والمشرع القانوني الذي يحدد التفصيلات القانونية ، فيقوم المشرع بوضع القوانين اللازمة لتنفيذ هذه المادة الدستورية ، وبيان تفصيلاتها .
وهكذا السنة المطهرة فإن مهمتها ترجمة محتوى القرآن وصياغته قانوناً عملياً للحياة .
وثمة ايضاح يرتبط بهذا المثل ـ لا بد من ذكره هنا ـ هو أن السنة ليست اجتهاداً نبوياً لصياغة الروح القرآني والتعبير عن محتواه تعبيراً قانونياً كما هي الحال في العلاقة بين الدستور والقانون .
بل السنة هي وحي وتعليم الـهي في معناها ومضمونها ، أما لفظها واطارها اللغوي فإنه للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه .
نضرب لذلك مثلاً: نص القرآن الحكيم على وجوب أداء الزكاة ، ولكن لم يحدد مقاديرها ولا كل الاعيان (الاشياء) التي تجب فيها ، بل السنة النبوية هي التي تعهدت بذلك وأوضحته وفصلته ، وجاء هذا الايضاح والتفصيل بلفظ الرسول الكريم وعبارته البشرية المألوفة.
ولكي يستمر هذا الدور المعطاء للسنة ، شاء الله أن يكون لها أئمة هداة يشكلون الامتداد الطبيعي لها ويمثلون الطرف الواعي والمستوعب لروح القرآن ومضمونه عن طريق الاعداد النبوي والتوجيه الرسالي الخاص، ليستمر تيار السنة حياً متدفقاً يغني الحياة ويقود مسيرتها على هدى القرآن وضوء رسالته ، فكان الائمة من أهل البيت (عليهم السلام) ، وكان الهداة من هذه الشجرة المباركة ، ثم كان من بعدهم فقهاء ومجتهدون يقومون بمهمة الاستنباط واستخراج الاحكام والقوانين والكشف عنها من مصادرها ، لذا كان الاستمرار على فتح باب الاجتهاد ضرورياً لمد آفاق الشريعة ، واغناء المجتمع الانساني بالافكار والقوانين اللازمة لتنظيم الحياة المتطورة .
ولذلك أيضاً كان الاجتهاد واجباً كفائياً على المسلمين ؛ أي لا بد من وجود مجتهد في كل فترة زمنية على أقل تقدير ، يرجع إليه المسلمون ، ويعول عليه في فهم الشريعة ، واستنباط أحكامها .
اذن فللاسلام مصدران أساسيان هما:
أ ـ الكتاب .
ب ـ السنة .
هذا وقد عد أصحاب المذاهب الفقهية والاجتهادية ـ فيما بعد ـ مصادر أخرى احتلت موقعها ـ بعد الكتاب والسنة ـ في مناهج الفقهاء والمجتهدين ، والحق أن الشريعة الاسلامية ليست ملزمة بقبول هذه المصادر (المصادر التي اجتهد المجتهدون في الاعتماد عليها غير الكتاب والسنة) إلاّ بقدر ما تثبت للتحقيق العلمي الملتزم بروح الكتاب والسنة ، وبامكان الفقيه والمجتهد في كل زمان أن يلغي منها ما يراه متعارضاً مع الكتاب والسنة؛ فليس لها موقع الشرعية ، ولا دور المصدر الموازي للكتاب والسنة إلاّ بقدر ما تصمد أمام التحقيق العلمي ، والتمحيص الاصيل في ضوء الكتاب والسنة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com