اسم الكتاب: حول الاحكام الاسلامية
لماذا يختلف الفقهاء
بقي علينا أن نجيب على سؤال مهم وخطير ، وهو اذا كانت الشريعة واحدة وقوانينها واحدة فلماذا يختلف الفقهاء وتتعدد آراؤهم في قضية واحدة؟ أو بعبارة أدق: لماذا تتعدد أحكام الفقهاء الخاصة بموضوع واحد؟ . وللاجابة على هذا السؤال لا بد من التفريق بين حالتين: حالة يكون فيها الاختلاف قائماً على أسس منهجية سليمة وممارسة علمية مشروعة . وحالة أخرى ينتج فيها الاختلاف عن الاجتهاد الكيفي المرتجل الذي لا يقوم على أساس سليم ، ولا ينبع من أصول علمية مستقيمة مع روح الشريعة ومصادرها ، فالاختلاف الاول نتيجة طبيعية لنشاط علمي سليم ، والفقهاء معذورون غير مؤاخذين ، أما الاختلاف الثاني فليس اجتهاداً ، ولا فقهاً ، بل هو عمل اعتباطي مقحم على روح الشريعة ومبادئها . فعلم الفقه ـ كما بينا ـ كغيره من العلوم والمعارف الانسانية في هذا الجانب ، فكما أن لكل علم من العلوم قوانينه وقواعده الواقعية والطبيعية الخاصة به ، فكذلك الشريعة الاسلامية لها أحكامها وقوانينها . وكما أن عالم الفيزياء ـ في مثالنا ـ يبذل جهده العلمي لاكتشاف قوانين الفيزياء حسب واقعها الطبيعي ، وعالم المنطق يبذل جهده لاكتشاف قوانين التفكير وفق واقعها العقلي ، وليس بامكان أحدهما أن يخلق من عند نفسه قوانين خاصة للمنطق والفيزياء ، فكذلك الفقيه (المجتهد) ليس بامكانه من الناحية العلمية الشرعية أن يوجد قوانين وأحكاماً ايجاداً اعتباطياً ، ثم يسبغ عليها صفة الشرعية والعلمية . وكذلك أيضاً؛ فكما أن عالم الفيزياء والمنطق يخطئ أحياناً عند اكتشاف القوانين والقواعد العلمية ، وأن هذا الاكتشاف الخاطئ لا يمثل القانون الطبيعي للفيزياء والمنطق ، بل يمثل فهم العالم المكتشف الذي أخطأ في تشخيص القانون ، فكذلك الحال بالنسبة للفقيه عندما يمارس عملية استخراج الاحكام والقوانين الاسلامية من مصادرها الاصلية ـ الكتاب والسنة ـ فإنه قد يخطئ أحياناً في عملية الاكتشاف والاستنباط هذه ، ولكن خطأه هذا ليس خطأ عشوائياً ، أو ارتجالياً كيفياً ، بل لقصور في أدواته العلمية ، أو امكاناته الذاتية ، فيقصر به الاستعداد العلمي عن تشخيص القانون والحكم الشرعي كما هو قائم بذاته في عالم القانون والشريعة الالـهية . ولذا كان الفقيه معذوراً عند الخطأ والقصور عن اكتشاف الحكم الصحيح متى كان هذا الفقيه مستوفياً الشروط ومستنفداً وسعه في عملية الاستنباط .
|
|