قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: حول الاحكام الاسلامية
أسباب الاختلاف
أما أسباب الاختلاف: بين المجتهدين سواء كان من مجتهدي المذاهب الاسلامية المختلفة ـ كالحنفي والشافعي والجعفري والمالكي ـ الخ ، أو مجتهدي المذهب الواحد ، فيعود بشكل أساسي إلى: 1 ـ الاختلاف اللغوي حول النص من القرآن والسنة ـ في بعض مواردهما ـ لاختلاف في الاعراب ، أو في المعنى أو في القراءة ، مما يقود إلى الاختلاف في الفهم واستنباط الاحكام ، كاختلافهم في اعراب آية الوضوء في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين وان كنتم جنباً فاطهروا . . .) .(المائدة/6) فالذي اعتبر (ارجلكم) معطوفة على (وجوهكم) أوجب غسلها ، والذي اعتبرها معطوفة على (برؤوسكم) أوجب مسحها . وكاختلافهم في فهم معنى (القُرْء) في قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء . . .) .(البقرة/228) فقد اختلف الفقهاء في المعنى اللغوي لكلمة (قُرْء) فبعضهم فسر القرء بأنه الطهر ، وبعضهم فهمه وفسره على أنه الحيض ، وكل واحد من أصحاب هذين الرأيين يعتمد على فهم وتأويل لغوي . لان لفظ القرء يطلق في لغة العرب على كل من الحيض والطهر . وبناء على هذا الاختلاف اللغوي اختلف المجتهدون في مدة عدة المطلقة هل هي ثلاثة أطهار ـ بعد الطلاق ـ ، أو ثلاثة أشهر كاملات لان المقصود بالقرء: الحيض . والحيض هنا اسم رمزي لشهر المرأة ، باعتباره عادة شهرية تحدث لها في كل شهر مرة . وكاختلافهم في قراءة قوله تعالى (حتى يطهرن) في الاية الكريمة (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فاذا تَطَهَّرنَ فأتوهن من حيث أمركم الله ، ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) .(البقرة/222) فالذي قرأ (يطهرن) مشددة لم يجز جماع المرأة بعد انتهاء مدة الحيض إلاّ بعد التطهر (الغسل) ، والذي قرأها مخففة اجاز جماعها لمجرد حصول الطهر وهو انقطاع الدم . أو كاختلافهم في أمر يفيد الوجوب أو الاستحباب ، أو أن النهي يدل على الحرمة أو الكراهة ، أو أن هذا اللفظ يفيد الحقيقة أو المجاز ، أو كاختلافهم في العلاقة بين النصوص كالاطلاق والتقييد ، والعموم والخصوص . . . الخ . 2 ـ الاختلاف حول المقصود (من الكتاب والسنة) ، فقد يختلف المجتهدون في فهمهم لدلالة النص وقصده كاختلافهم في فهم قوله تعالى: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان . .).(البقرة/229) (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) .(البقرة/230) فقد سبب الاختلاف في فهم قوله تعالى (الطلاق مرتان) نشوء آراء وأحكام فقهية بعضها يقرر تحريم الزوجة على زوجها اذا طلقها بقوله ثلاث مرات (أنت طالق) ، بناء على فهمه للآية (الطلاق مرتان) ، وفي الثالثة تكون قد بانت بينونة كبرى فلا يصح له الزواج منها حتى تعتد وتتزوج زوجاً غيره ، فان طلقها الاخير فلزوجها الاول أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها . في حين فهم فريق آخر من قوله تعالى (الطلاق مرتان) أنه لا بد من تحقيق الطلاق فعلاً ـ وليس لفظاً ـ لكي تحرم الزوجة على زوجها ، فالقرآن لم يقصد تكرار اللفظ بل قصد وقوع الطلاق المسموح بعده مراجعة الزوجة ـ وقوعاً فعلياً ـ (مرتان) فان وقع الطلاق الثالث فلا يحل له الرجوع اليها . وتوضيح ذلك: إذا طلق الزوج زوجته فله أن يرجع بها ، فاذا رجع بها وطلقها ثانية فله أن يرجع بها ، فاذا رجع بها ثم طلقها مرة ثالثة فليس له حق الرجوع وتحرم عليه ، إلاّ إذا انقضت عدتها وتزوجت غيره ثم طلقها هذا أو مات عنها وانتهت عدة الطلاق أو الوفاة ، فللزوج الاول أن يتزوجها . 3 ـ الاختلاف في أن هذا الحكم قد نسخ أو لم ينسخ ، كاختلافهم حول حكم زواج المتعة (الزواج المؤقت) مثلاً . 4 ـ الاختلاف بسبب قبول بعض الروايات والاحاديث أو عدم قبولها ، فبعض الفقهاء تحصل لديه ـ بسبب من تحقيقه العلمي ـ عدم ثقة بالراوي وناقل الحديث ، فلا يصدق حديثه أو يرفض الحديث والرواية بسبب عدم اطمئنانه إلى المعاني والالفاظ الواردة فيه ، أو يراه متعارضاً مع مفهوم قرآني ، أو سنة ثابتة لديه ، فيرفضه ولا يقبله ، في حين يقبله مجتهد آخر ، وتتشكل لديه قناعة بسلامة الحديث والرواية فيعتمدها في الاستنباط والاستنتاج . 5 ـ الاختلاف في اعتبار حجية بعض المصادر وعدم حجيتها ، وكيفية الاستفادة منها ، كالقياس ، والاستحسان ، وأدلة العقل ، والمصالح المرسلة ، والاجماع . . .الخ . فبعض المجتهدين يعتمد بعض هذه المصادر ويرجع اليها لتحصيل الاحكام ، وبعضهم يرفضها ، أو يرفض كيفية الاستفادة منها بالطريقة التي عمل بها مجتهد آخر . . وهكذا نقف على أهم أسباب الخلاف بين مجتهدي المذاهب الاسلامية ، وأصحاب الرأي فيها ، لذلك كان من الضروري اخضاع الآراء الاجتهادية الخلافية بين المسلمين إلى النقد والتمحيص العلمي على أسس شرعية وموضوعية نزيهة ، وبعيدة عن التعصب والاغراض الشخصية ، لتحصيل الحكم الشرعي المبرئ لذمة المكلف من جهة ، ولتحقيق غرض الشريعة الاسلامية في الاصلاح وتوحيد الامة من جهة أخرى .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|