فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الحج عبادة وتربية


على خطى أبي الأنبياء ابراهيم (ع)

واصل نبي الله ابراهيم (عليه السلام) رحلته الطويلة عبر أرض بابل والشام وجزيرة العرب.. وراح يطوي فصول الزمن، ويتخطى السهول، والهضاب، والوديان، ليحلّ في نهاية المطاف في أرض الميعاد في مكة المكرمة.. وهو يصطحب طلائع الحياة والايمان الى ربوع هذه الأرض.. زوجته هاجر، وابنه إسماعيل (عليه السلام).
ويحل ابراهيم (عليه السلام) ومعه هاجر واسماعيل في أرض السلام.. في البلد الآمن.. في الوادي الجديب، ويرمي ابراهيم ببصره.. عبر صحارى مكة وجبالها.. كأنه يبحث عن حدث جديد سيولد على هذه الأرض.. ويصمت قلب ابراهيم (عليه السلام) الكبير ليطوي سره وقدره.. ويرمق ابراهيم السماء بعينيه.. ويرفع بالضراعة والخشوع يديه:
(ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).(ابراهيم/37)
ويقفل ابراهيم (عليه السلام) راجعاً.. وتصمت هاجر.. ويتلفت اسماعيل من حوله.. ويسكن الى صمت الصحراء، ويطلب الماء فل ايجد.. ويشتد به العطش ويفحص الوليد رمال الوادي بقدميه الصغيرتين.. وعلى شفتيه ذبول العطش والجفاف، وفي قلبه رواء الحب والايمان، وفي عينيه امتداد الأمل الكبير، وفي جنبيه رجاء المستقبل.. المستقبل الذي بات يبشّر بانبثاق أُمة ستزرع في قلب الوادي الجديب شجرة الايمان والحياة.. ويستمر الوليد يلاعب الأرض بقدميه، ويداعب وجه الرمال بأصابعه، يداعبها بصفاء الأنبياء، وحبّ القدّيسين.. وكأنه يغمز ثدي الأرض ـ أُم الانسان الرؤوم ـ علّها تسكب بين شفتيه قطرة الماء والرواء.. ويرقّ قلبها العطوف حناناً على ابن مجدها العظيم.. وتستجيب لرغبته ما زال مستجيباً لنداء الله.. فتتفجر الأرض ـ حناناً من لدن بارئها ـ عيناً تروي عطش الصحراء، وآيات تبشر بمجد الوليد العظيم، وتذهل هاجر، أفي يقظة هي أم في حلم جميل..؟؟ وتقترب نحو الماء، وتغرف منه بكفّيها، ويشرب اسماعيل.. ويظل الوليد يصاحب (زمزم)، ويمرح جذلان على ضفافها في أرض الرسالات ليشيد في ربوعها مع أبيه كعبة تهفو اليها قلوب الموحدين، وقبلة تتوجه نحوها أنظار المسلمين، ومزاراً يحجّ اليه القاصدون..
ويعود ابراهيم (عليه السلام)، يعود ليلتقي باسماعيل، وليبدأ فصولاً جديدة من تاريخ الايمان على أرض المقدسات، وليبدأ مع ابنه، يبني بيتاً للعبادة. ويستمر ابراهيم في البناء، ويرفع القواعد من البيت، ويتعالى صرح البناء، ويشمخ رمز التوحيد في قلب الجزيرة الجرداء.. كعبة تهفو اليها النفوس، ومآباً تطوف حوله القلوب:
(واذ بؤّأنا لابراهيم مكان البيت أن لاتشرك بي شيئاً وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذَّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق). (الحج/26 ـ 27)
ويكمل ابراهيم (عليه السلام) وابنه البناء:
(وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا إنكَ أنت السميع العليم* ربنا واجعلنا مسلمين ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنكَ أنت التواب الرحيم). (البقرة/127 ـ 128)
.. ويضعان في رحاب مكة أول بيت وضع للناس، وضع للحج والعبادة، فكان قدساً مطهراً، إصطفاه ربه، فأضافه اليه، فقال مخاطباً ابراهيم(عليه السلام):
(...وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود). (الحج/26)
فصار البيت، بيت الله.. رمز الايمان، وموضع العبادة والتقديس، ومحل القصد والحج، وبيت الضيافة، والوفادة على الله.. فالذي يحل في فنائه كأنما يحل في رحاب الله، وحاجّه قاصد، يطوف حول ظل العرش في أرض الله..
وراح ابراهيم (عليه السلام) يرعى البيت، ويعمره بالعبادة والتقديس، ويرمقه بالاجلال والتعظيم، وهو يلمح مجد هذا الرمز الرفيع، وينتظر أن يكون له شأن عظيم، شأن لهذا البيت الصخري المتواضع.. متواضع في فنه وعمارته، بسيط في أناقته وفخامته.. هذا البيت الطافي على بحر الرمال، بين أمواج الجبال، ومتراكم الكثبان، يحوطه الفقر والجدب من كل مكان، فلا الماء يجري ولا الارض تعشب، ولا الربيع يطل، ولا قوافل الركبان تقصده.. يحتويه الوادي الجديب، ويحيطه امتداد من القفر والبيد، فما كان أحد يحسب لتلك البقاع الخالية من مظاهر الرغد والحضارة أي حساب.. ولكن:
(وربك يخلق ما يشاء ويختار). (القصص/68)
واذا بالمجد يظلّل أرض الحصى والرمال.. واذا بوديان مكة الجرداء تشمخ بأنفها على وديان الخصب والربيع والرواء.. ولِمَ لا.. ؟؟
أليست هي الارض التي اختارها الله لتكون منطلقاً لرسالة ابراهيم؟.. داعية الايمان والسائح في الأرض هياماً برسالة التوحيد، وفراراً من ظلم الطواغيت الى عدل الله، ومن خرافة الوثنية الى مدرسة العقل السديد «الدين»؟
أليست هي الأرض التي آمنت بأهداف أبي الأنبياء بعد أن استكبرت عليه وديان الخصب والعمران في أرض بابل والشام؟
أليست هي الأرض التي ستخصب النفوس بالايمان، وتملأ الأرض بالحضارة والعمران، اختارها الله لابراهيم (عليه السلام) ليضع الحجر الأساس في قلبها: كعبة للايمان، وبيتاً للعبادة، ومتوجهاً للقلوب؟
أليست هي الارض التي شاء الله أن تكون حرماً آمناً، وداراً للسلام؟.
انها كذلك..
وهكذا شاء الله أن تكون، وأن يخصب هذا الوادي الجديب بأغراس الايمان، ويزدحم هذا الرحاب القفر بقلوب الوالهين، ويزدحم هذا المكان المنقطع بمناكب الطائفين، ويضجّ وادي الصمت بنداء الملبّين.. أراد الله كل ذلك فأوحى الى أبي الأنبياء ابراهيم (عليه السلام):
(وأَذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) (الحج/27)
وينطلق ابراهيم (عليه السلام) بالنداء، وتستجيب القلوب المؤمنة، وتتسابق قوافل الحجاج سعياً وتلبية، جيلاً بعد جيل.. وصوت ابراهيم (عليه السلام) ما زال يتردد في مسامع الأبناء ترفعه على أكتافها أمواج الأثير، نداءً خالداً، وصوتاً حبيباً، تصغي اليه النفوس بشوق وسكينة، وتهفو اليه القلوب بحب وحرارة.. انه نداء أبينا ابراهيم (عليه السلام) ما زال يتردد في قلوب الموحدين، وما زالوا يجيبونه بكل شوق واجلال، متوجهين الى الله سبحانه:
(لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..
إن الحمد والنعمة لك والملك..
لا شريك لك)..
وهكذا صار الحج فريضة من يوم أطلق النداء أبو الأنبياء ابراهيم (عليه السلام).. وجاء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاسلام، فكان الحج أحد أركان دعوته، وكانت الكعبة قبلته ووجهته، فتوجه القران الى المسلمين ببلاغه الواضح، وندائه الصريح:
(.. ولله على الناس حج البيت مَن استطاع اليه سبيلا ومَن كفر فإن الله غني عن العالمين). (آل عمران/97)
وجاء في الرواية عن أهل البيت (عليهم السلام) :(أن الكعبة شكت الى الله عز وجل في الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رب ما لي قلَّ زواري؟ ما لي قلَّ عوّادي؟ فأوحى الله اليها أني منزل نوراً جديداً على قوم يحنّون اليك كما تحنّ الأنعام الى أولادها)(1) يعني أُمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذه الأمة التي قدّست الحج، وعمرت البيت بالتقديس والعبادة، فكان مفهومهاً عن الحج ما عبّر عنه الامام علي (عليه السلام) بقوله: (وفرض عليكم حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام ، يردونه ورود الأنعام، ويألهون اليه ولوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته واذعانهم لعزته، واختار من خلقه سُمّاعاً أجابوا إليه دعوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه)(2).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com