فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الحج عبادة وتربية


رحلة السلام الى البلد الآمن

(واذ قال ابراهيم ربِّ اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيَّ أن نعبد الاصنام).(ابراهيم/35)
.. ويشاء الله سبحانه أن يجعل للناس حرماً آمنا، وأرضاً للسلام، يملأ ذكرها النفوس بالأمن والطمأنينة، وتشيع مناسكها في ربوع الدنيا السلام واحترام الحياة، ليربِّي الانسان على احترام الأمن وحب السلام، فتتوارى نوازع الشر والعدوان فيه.. تلك النوازع التي طالما دعته للولوغ في الدماء والتمادي في سفكها بشكل دعا الملائكة أن تتساءل قبل خلقه واستخلافه: كيف يصلح لاعمارالارض، ورعاية الحياة، من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟.
(...قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك...).(البقرة/30)
أليست نزعته الاجرامية هذه كافية لأن تحرمه من حق الوجود والعيش في رحاب الأرض؟؟
أليس الذي يسبح بحمد الله، ويقدس لعظمته هو الجدير بإعمار الارض، والحنو على الحياة واحترام ارادة الله وحكمته في خلقه.. واذا فمن أجل أن تمحى من الارض هذه الجريمة.. وتنسى من دنيا الانسان هذه الخطيئة.. راح الاسلام يربي في نفس الحاج الدعوة الى الامن والسلام.. ويزرع في نفسه مفهوم الدين عن قدسية الحياة ليعلمه أن الحياة لايستحقها من لايحترم الحياة،وأن المسبحين بحمد الله..العارفين به.. هم الجديرون باعمار الارض وانعاش الحياة..لانهم هم الذين يحترمون ارادة الحياة كما جرت حكمة الله وعدله فيها...
لذا فإن الحاج يجد في شعائر الحج ومناسكه تربية عبادية على احترام الحياة، يمارسها الانسان ويستشعرها في ربوع البلد الآمن.. مكة المكرمة.. بلد الأمن والسلام.. فجعل البيت الحرام، والبلد الحرام (مكة) مثابة للناس، وأمنا تفزع اليه النفوس الخائفة، وتطمئن بجواره القلوب التي اعتراها الخوف فأفقدها لذة الحياة..
ولا ينحصر استشعار الأمن في ربوع هذا البيت في التخلص من مخاوف الحياة وحدها، بل وهو ايضاً أمان للناس من الذنوب، وموضع للتوبة والرجوع الى الله سبحانه، والدخول في أمنه من العقاب والسخط، لذا كرر القرآن آياته مؤكداً قدسية هذا الحرم وأمنه، فراح يسوق الآيات ويكرّر عبارات (الأمن، والحرام) ليوحي للانسان، ويشعره بقيمة هذه الحقيقة في الحياة... حقيقة الأمن والسلام، ليحرر الانسان من الخوف.. عقدته الكبرى، ومحنته التي تطارده في كل العصور:
(فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). (قريش/3 ـ 4)
(واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا...). (البقرة/126)
(واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيَّ أن نعبُد الاصنام). (ابراهيم/35)
(فيه آيات بينات مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا...). (آل عمران/97)
(واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا). (البقرة/125)
(والتين والزيتون* وطور سينين* وهذا البلد الامين). (التين/1 ـ 3)
(انما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين). (النمل/91)
(جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام). (المائدة/97)
(... وحُرِّم عليكم صيدُ البر مادمتم حرماً...). (المائدة/96)
(يا أيها الذين آمنوا لاتحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام...). (المائدة/2)
وليست هذه النصوص وحدها هي التي تتحدث عن الأمن والسلام وحرمة الحياة واحترامها، بل هذا بعض من القرآن تحدث عن حرمة البيت الحرام.. (الكعبة).. والبلد الحرام (مكة).. والشهر الحرام (شهر الحج)، وأكد الامتناع عن سفك دماء الحيوانات البرية واصطيادها.. وقطع النباتات والأشجار التي نمت تحت ظلال بيت الله، وفي حرمه الاقدس.. وقتل الحشرات والهوام ما دام الحجيج مُحرِمين .. ليغرس في نفس الانسان احترام الأمن، وحب السلام، وينتشله من العبث والجريمة وسفك الدماء.
وهكذا كان الحج رحلة السلام الى بلد الأمن والسلام ...رحلة يستشعر فيها الحاج قيمة الأمن في نفسه.. وفي مجتمعه.. ومع بارئه الذي جعل له هذه البقاع المقدسة بقاعاً آمنة.. تطمئن فيها نفسه.. وتأمن غضب خالقها برجاء عفوه، واستشعار رحمته والدخول في حمايته، فيعود الحاج وهو مهيأ للتوبة، مستعد للصلاح.. وما أجمل تشخيص الامام جعفرالصادق (عليه السلام) لهذه الحقيقة وهو يخاطب الحاج بقوله:
(وادخل في أمان الله، وكنفه وستره، وكلاءته من متابعة مرادك بدخول الحرم، ودخول البيت متحققاً لتعظيم صاحبه، ومعرفة جلاله وسلطانه)(3).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com