فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الحج عبادة وتربية


القيم والمعاني في مناسك الحج

الحج عبارة عن مجموعة من المناسك والشعائر، وجملة من الأفعال والأقوال.. تنتظم جميعها في أُطر زمنية، ومكانية محددة، لتجسد بمجموعها معنى تعبدياً، وعملاً تربوياً يساهم في بناء شخصية المسلم، ويعمل على اعادة تنظيمها، وتصحيح مسيرتها في الحياة، ويسدد وجهتها ومسارها الى الله.
فعبادة الحج بصيغتها العامة من الأقوال والأفعال التعبدية التي يمارسها الحاج توحي للنفس بمعانٍ كثيرة فتشعرها بجلال الموقف، وروعة الخشوع والعبودية لله سبحانه، وتزرع فيها مكارم الأخلاق، وتقودها الى استقامة السلوك وحسن المعاشرة. ففي كل فعل، ونداء، ومناجاة في مناسك الحج، رمز يوحي الى النفس بمعنى، وأداء يعبر عن سر وغرض تستوحيه النفس في تعاملها معه.
فالاحرام، والتلبية، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفات...الخ، كلها أفعال ذات مغزى، ومشاعر ذات معنى عميق يجب أن يحسها الحاج، ويتمثل معانيها.
لذا كانت قيمة الحج التعبدية، وآثاره التكاملية على النفس والسلوك لا تتحقق بالممارسة الميكانيكية الميتة، والخالية من استلهام المعاني والقيم الكامنة خلف الممارسات الشكلية، بل يحقق الحج أهدافه بوعي الحاج، وتفاعله نفسياً وفكرياً مع كل فعل يقوم به، أو نداء يطلقه، أو مناجاة يرددها، والا فالحاج سائح يتجول في عالم المشاهد والآثار، لم يحقق من أهداف الحج شيئاً، ولم تنطبع على صفحة نفسه منه عبرة.
وكم كان عميقاً وعي أُولئك الاتقياء لمداليل الحج وأهدافه.
وكم كان رائعاً تصويرهم له، وتعبيرهم عنه، لأنهم عاشوه حقيقة متفاعلة مع أنفسهم وأرواحهم، ولغة رمزية تنطق بها أحاسيسهم، ومشاعرهم.
ولنأخذ نموذجاً واعياً لهذا الفهم الفوري العميق لمضامين الحج، ومستوحياته، فنقرأ تفسير الامام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) حيث كشف عن المضامين الرمزية، والمعاني المستوحاة من كل أداء تعبدي في فريضة الحج.. تلك الفريضة التي يستشعر القارئ من تفسير الامام لمناسكها أنها وضعت لتستوعب أهداف الاسلام ومعانيه، بطريقة حسية رمزية، يمارسها الحاج ضمن أكبر تجمع بشري في رحاب العبادة والوقوف بين يدي الله سبحانه.
«فقد روي عن الامام زين العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب (عليه السلام)أنه لما رجع من الحج استقبله أحد الحجاج (الشبلي)، فقال له الامام(عليه السلام): حججت يا شبلي؟ قال: نعم يا ابن رسول الله، فقال (عليه السلام): أنزلت الميقات وتجردت عن مخيط الثياب واغتسلت؟؟.. قال: نعم. قال: فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثياب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟ قال: لا، قال: فحين تجردت عن مخيط ثيابك نويت أنك تجردت عن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟. قال: لا.. قال: فحين اغتسلت نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟ قال: لا.. قال: فما نزلت الميقات، ولا تجردت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت.
ثم قال (عليه السلام): حين تنظفت، وأحرمت وعقدت الحج نويت أنك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟ قال: لا..
قال: فحين أحرمت نويت أنك حرّمت على نفسك كل محرّم حرّمه الله عز وجل؟ قال: لا..
قال: فحين عقدت الحج نويت أنك قد حللت كل عقد لغير الله؟ قال: لا..
قال له (عليه السلام): ما تنظفت، ولا أحرمت، ولا عقدت الحج.
ثم قال (عليه السلام) له: أدخلت الميقات وصليت ركعتي الاحرام ولبّيت؟؟ قال: نعم. قال: فحين دخلت الميقات نويت أنك بنية الزيارة؟ قال: لا.
قال: فحين صليت الركعتين نويت أنك تقربت الى الله بخير الاعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟.
قال: لا.
قال له (عليه السلام): ما دخلت الميقات ولا لبّيت، ثم قال له: أدخلت الحرم، ورأيت الكعبة وصليت؟
قال: نعم.
قال: فحين دخلت الحرم نويت أنك حرّمت على نفسك كل غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملة الاسلام؟ قال: لا.
قال: فحين وصلت مكة نويت بقلبك أنك قصدت الله؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صليت..
ثم قال (عليه السلام): طفت بالبيت، ومسست الاركان وسعيت؟ قال: نعم.
قال (عليه السلام): فحين سعيت نويت أنك هربت الى الله، وعرف ذلك منك علام الغيوب؟ قال: لا.
قال: فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت.
ثم قال (عليه السلام) له: صافحت الحجر، ووقفت بمقام ابراهيم (عليه السلام)، وصليت به ركعتين؟ قال: نعم، فصاح (عليه السلام) صيحة كاد يفارق الدنيا بها ثمّ قال (عليه السلام): آه آه ، وقال: من صافح الحجر الأسود فقد صافح الله تعالى، فانظر يا مسكين ولا تضيع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة وقبض الحرام، نظير أهل الآثام. ثم قال (عليه السلام): نويت حين وقفت عند مقام ابراهيم أنك وقفت على كل طاعة، وتخلفت عن كل معصية؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فحين صليت ركعتين نويت أنك بصلاة ابراهيم (عليه السلام)، وأرغمت بصوتك أنف الشيطان؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فما صافحت الحجر الأسود، ولا وقفت عند المقام، ولا صليت فيه الركعتين.
ثم قال (عليه السلام) له: أأشرفت على بئر زمزم، وشربت من مائها؟ قال: نعم. قال(عليه السلام): نويت أنك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فما أشرفت عليها، ولا شربت من مائها.
قال (عليه السلام): أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وترددت بينهما؟ قال: نعم.
قال (عليه السلام): نويت أنك بين الرجاء والخوف؟ قال: لا. قال (عليه السلام): فما سعيت، ولا مشيت، ولا ترددت بين الصفا والمروة.
ثم قال (عليه السلام): خرجت الى منى؟؟
قال: نعم.
قال (عليه السلام): نويت أنك أمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟
قال: لا.
قال (عليه السلام): فما خرجت الى منى.
ثم قال (عليه السلام) له: أوقفت الوقفة بعرفة؟.. وطلعت جبل الرحمة وعرفت وادي نمرة، ودعوت الله سبحانه عند الميل والحجرات؟... قال: نعم. قال (عليه السلام): هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله سبحانه، أمر المعارف والعلوم، وعرفت قبض الله على صحيفتك، واطلاعه على سريرتك وقلبك؟... قال: لا. قال(عليه السلام): نويت بطلوعك جبل الرحمة أن الله يرحم كل مؤمن ومؤمنة، ويتولى كل مسلم ومسلمة؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فنويت عند النمرة أنك لا تأمر حتى تأتمر، ولا تزجر حتى تنزجر؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما وقفت عند العلم نويت أنها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر رب السموات؟. قال: لا.
قال (عليه السلام): فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات.
ثم قال (عليه السلام): مررت بين العلمين، وصليت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة، ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟ قال: نعم. قال (عليه السلام): فحين صليت ركعتين نويت أنها صلاة شكر في ليلة عشر تنفي كل عسر، وتيسر كل يسر؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما مشيت بين العلمين، ولم تعدل عنهما يميناً وشمالاً، نويت أن لا تعدل عن دين الحق يميناً وشمالاً، لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما مشيت بمزدلفة، ولقطت منها الحصى نويت أنك رفعت عنك كل معصية وجهل، وثبت كل علم وعمل؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما مررت بالمشعر الحرام نويت أنك أشعرت قلبك اشعار أهل التقوى والخوف لله عز وجل؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فما مررت بالعلمين، ولا صليت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام.
ثم قال (عليه السلام): وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك وصليت في مسجد الخيف، ورجعت الى مكة، وطفت طواف الافاضة؟ قال: نعم.
قال (عليه السلام): فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار أنك بلغت الى مطلبك، وقد قضى ربك لك كل حاجتك؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما رميت الجمار نويت أنك رميت عدوك إبليس، وعصيته بتمام حجك النفيس؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما حلقت رأسك نويت أنك تطهرت من الأدناس ، ومن تبعة بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أمك؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): أفعندما صليت في مسجد الخيف نويت أنك لا تخاف الا الله عز وجل وذنبك، ولا ترجو إلا رحمة الله تعالى؟ قال: لا.
قال (عليه السلام): فعندما ذبحت هديك نويت أنك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسكت بحقيقة الورع، وأنك اتبعت سنة ابراهيم (عليه السلام) بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحانة قلبه وحاجة سنته لمن بعده، وقربه الى الله تعالى لمن خلفه؟ قال:لا.
قال (عليه السلام): فعندما رجعت الى مكة، وطفت طواف الافاضة، نويت أنك أفضت من رحمة الله تعالى ورجعت الى طاعته، وتمسكت بوده، وأديت فرائضه، وتقربت الى الله تعالى؟
قال: لا.
قال له زين العابدين (عليه السلام): فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا ذبحت، ولا أديت نسكك، ولا صليت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الافاضة، ولا تقربت، ارجع فإنك لم تحج، فطفق (الشبلي) يبكي على ما فرط في حجه، وما زال يتعلم حتى حج من قابل بمعرفة ويقين»(9).
وهكذا كان الائمة من أهل البيت (عليهم السلام) يؤدون مناسكهم وعباداتهم، وهكذا كانوا يربون المسلمين على فهم عباداتهم، والتفقه في دينهم، ليكونوا واعين لما يؤدون، ومدركين لما يفعلون.
وهكذا يجب أن تمارس عبادة الحج بأفعالها التي فرضها الله سبحانه، فيدرك هدف كل فعل فيها، ومغزى كل شعار ومنسك.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com