فقه وحيـاة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الحج عبادة وتربية


أهداف ومنافع

(وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير).(الحج/27 ـ 28)
الحج، ذلك المؤتمر الاسلامي الكبير، والتظاهرة الايمانية الرائعة التي تشترك فيها صنوف متعددة من الأجناس، والفئات والطبقات، والقوميات على موعد واحد، وفي أرض واحدة، يرددون هتافاً واحداً، ويمارسون شعاراً واحداً، ويتجهون لغاية واحدة، وهي الاعلان عن العبودية والولاء لله وحده، والتحرر من كل آثار الشرك والجاهلية، بطريقة جماعية حركية، تؤثر في النفس، وتشبع المشاعر والأحاسيس بمستوحيات الايمان، ومداليل التوحيد.
والحج كما صرّح القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة الى جانب كونه عبادة وتقرباً الى الله سبحانه، فان فيه منافع اجتماعية، وفوائد ثقافية، واقتصادية، وسياسية، وتربوية، تساهم في بناء المجتمع الاسلامي، وتزيد في وعيه وتوجيهه، وتساهم في حل مشاكله، وتنشيط مسيرته.
ففي الحج يشهد المسلمون: أروع مظاهر المساواة، والتواضع، والاخوّة الانسانية، بإلغاء الفوارق، والأزياء، وخلع أسباب الظهور الاجتماعي.. والظهور باللباس العبادي الموحد (لباس الإحرام)، حيث يحس الجميع بوحدة النوع الانساني.. وبالأخّوة والمساواة.
وفي الحج يستشعر المسلمون وحدة الأرض، ووحدة البشر، ويمثلون عملية اسقاط الحدود التي صنعتها الانانيات والاطماع البشرية الاقليمية، والقومية، والعنصرية..
فهم يقطعون آلاف الأميال، ويخترقون كل حواجز الحدود، ويجتازون كل الموانع التي صنعها الانسان على أرض الله سبحانه استجابة لنداء العقيدة، وتلبية لهتاف الايمان.
وفي الحج يلتقي المسلمون بمؤتمرهم الكبير، فيتذاكرون في شؤونهم، ويتشاورون في أمور حياتهم وعقيدتهم، ويتبادلون الخبرات والتجارب والآراء والعادات الحسنة، ويتعرف بعضهم على مشاكل البعض، ويطلع بعضهم على رأي البعض، ويتعرف بعضهم على أخبار البعض الآخر، فيزداد الوعي، وتنمو المعرفة، وتشحذ الهمم من أجل الاصلاح والتغيير والاهتمام بشؤون الامة والعقيدة، فتخطط المشاريع، ويفكر في الأعمال، وتؤسّس المراكز الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويستعين بعضهم بالبعض الآخر، وكأنهم جسد واحد، وروح واحدة.
والحج بما هو تجمع بشري ضخم، يستقطب الملايين من المسلمين، من مختلف الأقطار والأمصار، فهو ينتج حركة بشرية هائلة، يتبعها تحرك إقتصادي ومالي ضخم، عن طريق النقل، والاستهلاك، وحمل البضائع، وتبادل النقود، وشراء الاضاحي والحاجيات ومستلزمات الحج والاقامة والسفر، فينتفع العديد من المسلمين، ويشهد مجتمعهم حركة اقتصادية ومالية نشطة.
وفي الحج إعداد وتربية لسلوك الفرد ونوازعه، ففي الحج يتعود الحاج الصبر، وتحمل المشاق، وحسن الخلق.. من اللطف، والتواضع، واللين، وحسن المحادثة، والكرم، والتعاطف، والامتناع عن الكذب، والغيبة، والخصومة، والتكبّر...الخ.
وفيه يتعود الالفة والتعارف عن طريق السفر والاختلاط، وتنمو لديه الروح الاجتماعية، وتتهذب ملكاته الاخلاقية، عن طريق هذه الممارسة التربوية، والتفاعل البشري الرائع، الذي يشهده في الحج، بأرقى درجات الالتزام، والاستقامة السلوكية.
وقد تحدث الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن منافع الحج، وفوائده، باجابته البليغة على سؤال أحد أصحابه (هشام بن الحكم).
قال هذا الرجل الجليل للامام يسأله: ما العلة التي من أجلها كلف الله العباد بالحج والطواف بالبيت؟.
فقال (عليه السلام): (ان الله خلق الخلق... ـ الى أن قال ـ وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب، ليتعارفوا ولينزع كل قوم من التجارات من بلد الى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمال، ولتعرف آثار رسول الله (ص)، وتعرف أخباره، ويذكر ولا ينسى...الخ)(10).
ويتطابق مع هذا التعليل والتحليل شرح حفيده الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لمنافع الحج، وآثاره الاجتماعية التي يجنيها الفرد والمجتمع حين قال:
(إنما امروا بالحج لعلة الوفادة الى الله عز وجل، وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف العبد، تائباً مما مضى، مستأنفاً لما يستقبل، مع ما فيه من اخراج الاموال، وتعب الابدان، والاشتغال عن الاهل والولد، وحظر النفس عن اللذات، شاخصاً في الحر والبرد، ثابتاً على ذلك دائماً مع الخضوع والاستكانة والتذلل مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع، لجميع من في شرق الارض وغربها، ومن في البر والبحر، ممن يحج وممن لم يحج، من بين تاجر، وجالب، وبائع ومشترٍ، وكاسب، ومسكين، ومكار، وفقير، وقضاء حوائج أهل الاطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيها، مع ما فيه من التفقه، ونقل أخبار الائمة الى كل صقع وناحية، كما قال الله عز وجل (..فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)(11) وليشهدوا منافع لهم)(12).
وهكذا شاء الله أن يكون الحج محراباً للعبادة.. وموسماً للتربية والتوجيه.. ومجالاً للمنفعة وتحقيق المصالح الاجتماعية للانسان.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com