السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الأسرة المسلمــــة


المرأة ووحدة النوع الانساني

[ يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكُم شُعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكُم عند الله أتقاكُم].(الحجرات/13)
[ يا أيّها النّاسُ اتّقوا ربّكُمُ الّذي خلقكُم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهُما رجالاً كثيراً ونساء واتُقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكُم رقيباً]. (النساء/1)
من المسلّمات الأساسية التي يجب على الباحث والمفكّر والدارس للاسلام أن يقيم أبحاثه ودراسته عليها هي الالتزام بمنهج توحيدي يقوم على أساس الايمان بالله إيماناً توحيدياً نقّياً يمُكّن الباحث من الربط بين العقيدة من جهة، وبين القوانين والقيم الاسلامية من جهة أخرى، وبدون هذا النهج تصبح الدراسة عقيمة، والأحكام التي يصدرها هذا الباحث أو ذاك قاصرة عن بلوغ الأهداف وتشخيص الحقيقة.
فالايمان بالله الأحد المتّصف بالعلم والقدرة والعدل والحكمة ...الخ؛ يؤثّر تأثيراً مباشراً على الموقف من التشريع والتقنين الصادر عن الله تعالى، لأنّ الايمان بهذه الحقائق يقود إلى الايمان بانعكاس هذه الصفات على التشريع الالهي، والتصديق بعدالته وحكمته، والتسليم بقيامه على أُسس واقعية، فإذا ترسّخت هذه العقيدة ونما هذا المفهوم في تفكير ووعي من يتعامل مع الشريعة الاسلامية يشاهد هذه الصفات؛ العدالة، والحكمة، والعلمية الواقعية، متجسّدة في كلّ حقيقة أتى بها الاسلام، وإذا شئنا تطبيق هذا المبدأ الأساس في البحث والتفكير والتعامل مع الاسلام على القوانين والمفاهيم والتشريعات التي أتى بها الاسلام لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة والأسرة لوجدناها مفاهيم علمية، لا مكان للخرافة والتحجّر والظلم فيها، ونحن نستطيع أن نستنتج هذا المفهوم من المقارنة العلمية بين واقع المرأة في ظلال الاسلام وواقعها المزري في ظلال المفاهيم والقوانين غير الاسلامية - وقد استعرضنا جانباً منها في بحثنا السابق من هذا الكتاب ـ.
ونعود هنا فنؤكّد انّ الاسلام بنى كلّ مفاهيمه، وقيمه، وتشريعاته الخاصّة بالأسرة والمرأة وعلاقتها بالرجل والمجتمع، منطلقاً من قاعدة علمية أساسية وهي الايمان بوحدة النوع الانساني، وانّ المرأة والرجل تجمعهما صفة الانسانية، ولا فرق بينهما في هذه الحقيقة:
[ قو الّذي خلقكُم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها]. (الأعراف/189)
[ يا أيُّها النّاس إنّا خلقناكُم من ذكر وأنثى ]. (الحجرات/13)
[ يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكُم الّذي خلقكُم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهُما رجالاً كثيراً ونساءً ]. (النساء/1)
فالرجل والمرأة في عرف الاسلام يمثّلان سكّتي قطار الحياة.
والاسلام لا يفرّق بين رجل وامرأة من حيث الانسانية، فهما من نفس واحدة، والأكرم منهما هو المتّقي- رجلاً كان أو امرأة - وليس لديه مفاهيم ولا تشريعات خاصّة برجل وأخرى بامرأة، إلاّ بحدود ما يتعلّق بطبيعة النوع في كلّ منهما من الناحية التكوينية والوظيفة الحياتية، لذا فانّ دعوى حقوق المرأة وتحريرها ومساواتها بالرجل في التعليم والسياسة والحقوق المدنية...الخ، تعتبر دعوى غريبة على روح الاسلام، وليس في الاسلام مبدأ حرمان المرأة من حقوقها حتى تطرح مثل هذه الدعاوى، وينادى بتحريرها واعطائها حقوقها.
فالاسلام ثّبت لها حقوقها في اليوم الذي ثّبت فيه للرجل حقوقه، وتعامل مع شطري المجتمع (الرجل والمرأة) تعاملاً إنسانياً على حدّ سواء، فهو بعد أن أقرّ بوحدة النوع الانساني، وسحب الخصائص الانسانية على كلّ من الرجل والمرأة على حدّ سواء؛ جعل تشريعاته وقيمه كلّها قائمة على أساس الايمان بهذا المبدأ (وحدة النوع الانساني)، هذا النوع الذي حظي بتكريم الله سبحانه وعنايته ورأفته.
أمّا ما نسمعه من دعاوى وحوار وصيحات تنطلق من هنا وهناك وصراع محتدم في مجتمعات المسلمين القائمة الآن، فهو صراع بين تيّارين لا علاقة للاسلام بهما، ولا رابطة لهما بالاسلام.
هو صراع بين تيّار إباحي تسلل مع الغزو الحضاري والثقافي الأوربي لعالمنا الاسلامي من جهة، وبين تيّار متخلّف يلتزم بعادات وتقاليد وضعيّة اجتماعية خلقتها ظروف البيئة والتخلّف عبر القرون عن المرأة وعلاقتها بالرجل والمجتمع والحياة من جهة أخرى، ولا ارتباط لها بمفاهيمه وأفكاره، بل هي وليدة تخلّف المسلمين وظاهرة تدلّ عل غياب العلاقات والمفاهيم الاسلامية.
لذلك يجب الفصل بين وضع المرأة في الشعوب والبلدان الاسلامية وبين وضعها في الشريعة والمبادئ والقيم الاسلامية.
ولا يصح تحميل الاسلام - كشريعة وقانون - مسؤولية تخلّف المسلمين، ولا يجوز الحكم عليه - في أيّ موقع من مواقعه- بالصورة الاجتماعية المتخلّفة التي يعيشها المسلمون بعد ان ابتعدوا عنه، وعزلوه عن ميدان العمل والتطبيق.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com