السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الأسرة المسلمــــة


2ـ حول تعدّد الزوجات:

[ وانّ خفتم الا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك ادنى ألا تعولوا]. (النساء/3)
[ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتُم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلّقة (116) وان تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً].(النساء/129)
لو القينا نظرة تحليلية فاحصة على تاريخ الجاهلية البشرية،قديمها ومعاصرها،وحاولنا أن نتفحّص تركيب الشخصية الانسانية في ظلّ هذه الجاهليات، بما تحمل هذه الشخصية من أفكار وميول، واتجاهات نفسية،وممارسة سلوكية،لوجدنا الانسان الجاهلي يتّخذ موقف الخصومة واللجاجة والمعاكسة للشريعة الالهية، منساقاً وراء شهواته ونزواته من جهة، ومتأثّراً بغروره وكبريائه من جهة أخرى، فهو دائماً يحاول الردّ والتصدّي، وان كان الحق واضحاً والعدل متشخّصاً، ويندفع الى الاعتراض والاحتجاج، وان كان هو يؤمن في قرارة نفسه بصدق هذه الحقيقة، ويسلك سبيل الانحراف والاعوجاج للتعبير عن دوافعة واتباع رغباته، وان كان طريق الاستقامة مشرعاً أمامه وموصلاً لذات النتيجة.
فهو يبحث عن الحرام، ويميل الى الشذوذ، وان وجد الحلال واكتشف الاستقامة، فهذا الصنف من الناس كما وصفه القرآن الكريم:
[ وان يروا سبيل الرّشد لا يتخذُوه سبيلاً وان يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلاً].(الأعراف/146)
وتنطبق هذه الحقائق على إنسان الجاهلية المادية المعاصرة تماماً،كما انطبقت على سلفه وأمثاله من أمم وأفراد جاهلية سحقية.
فهو في الوقت الذي يجد امامه سبيل الزواج مشرعا ووسائل التعبير الجنسي المحلل موفّرة، نراه يلجأ الى النيل من هذه الوسائل والانتقاص منها والطعن بها، في حين يلجأ الى الممارسة الشاذة، وينحدر نحو أخلاقية رذيلة، وبدافع من هذه العوامل النفسية المريضة اندفع خصوم الاسلام، من مستشرقين ومبشرين واباحيين، وشنّوا حملة ظالمة على الاسلام لتشويه نظمه وقوانينه وعرضها بصورة مشوّهة، لتضليل الرأي العام البشري والحيلولة بينه وبين الحصول على رؤية علمية سليمة للاسلام، وعملوا على تشويه أهدافه وحقيقته.
وبالعودة الى هذا النظام ودراستة وتحليله، نجده تشريعاً متّسقاً مع طبيعة الحياة والظروف والأوضاع الاجتماعية للانسان، فهو يعالج مختلف تقلّبات وملابسات العلاقات الزوجية والجنسية بين الرجل والمرأة في الأسرة والمجتمع، ويعمل على مكافحة الشذوذ والانحراف والحرمان، فهو يسلك كنظام احتياطي واق للرجل والمرأة من اللجوء الى الانحراف والشذوذ، فمثلا‌ً- وكما حدث في الحربين العالميتين- أعداداً ضخمة من النساء يفوق عدد الرجال، كما أن عددا من النساء تصاب بالعقم ولا يرغب بهنّ أحد، أو تصاب بعض الزوجات بحالات مرضية تعيق الأزواج عن الممارسة والاشباع، أو تكون بعض النساء غير متكافئات من حيث الرغبات الجنسية مع أزواجهن...الخ، فكل هذه الحالات لا يمكن ان تعالج إلا بتعدّد الزوجات فهو العلاج السليم لمكافحة تساقط الرجال والنساء في أحضان الزنا والبغاء والكبت والحرمان.
وبالفعل فالمجتمعات التي لا تؤمن بتعدّد الزوجات، وتعايش حالة من التحللّ والانهيار الاخلاقي، كالمجتمع الأوربي والأمريكي والروسي...الخ. صار فيها الزنا والبغاء أمرا اعتياديا، فهي عندما رفضت التعدّد المشروع لجأت الى التعدد غير المشروع، فاختارت طريق الانحراف والشذوذ كوسيلة لمعالجة اضطراب العلاقة ونزوات الغريزة.
تبين مما سبق أن الاسلام العظيم ارتفع بالمرأة ارتفاعاً شاهقاً، وأعلى قدرها وسما بمنزلتها، بما لا يدانيه دين أو حضارة منذ أقدم العصور حتى يومنا الحاضر.
كما اتضح ان الاسلام العظيم قد أولى اهتمامه الشديد في تنشئة الفرد تنشئة صالحة ليكون عضواً نافعاً في أسرة فاضلة متماسكة سعيدة، ولتكون هذه الأسرة لبنة صلدة في بناء المجتمع الاسلامي السعيد.
فليس في الاسلام أثر للافراط أو للتفريط اللذين نشاهدهما في مبادئ الشرق والغرب، سواء في حقوق الرجل والمرأة، أو في أهميّة الفرد والمجتمع، بل نشاهد في تشريعه بوضوح تام التنسيق الكامل، والتوفيق الشامل بين حقوق وواجبات الفرد والمجتمع، وكذلك الحال نجد فيه توزيعاً عادلاً وحكيماً بين مسؤوليات وصلاحيات كلّ من الرجل والمرأة.
[والحمد لله رب العالمين]

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com