السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  قراءة في عالم الشباب


2ـ البنية التكوينية

تفيد الدراسات والابحاث الميدانية التي اُجريت على سلوك الافراد، لاسيما السلوك الشاذ غير الطبيعي، كالمصابين بالشذوذ الجنسي، والعقد والامراض النفسية والعصبية والمجرمين القتلة... الخ.
تفيد تلك الدراسات أن هناك عوامل بيولوجية وفسيولوجية، بعضها وراثي، تؤثر في سلوك الفرد، كما تؤثر عوامل التربية والمحيط، والاكتساب الاجتماعي.
فقد ثبت علمياً أن لافرازات الغدد الصماء ـ الهرمونات ـ تأثيراً بالغاً على الشخصية، وتزداد فاعلية وتأثير تلك الهرمونات في مرحلة المراهقة والشباب ـ ذكوراً واناثاً ـ وبكيفيات تناسب طبيعة الجنس.
غير أن الانسان بقدرته الارادية، يستطيع ان يُغيِّر مواقفه، ويتصرف في المثيرات والمحفزات والرغبات والشهوات الشخصية.
وتؤكد الدراسات العلمية أن نوع التكوين الانساني، والتركيب الجسمي له تأثير في نوعية السلوك والتصرف البشري.
فالفتاة والشاب، يؤثر في سلوكهما طبيعة تركيبهما الجسدي، من الجمال والقوة، أو الضعف وبساطة الشكل، أو فقدان عناصر الجمال.
كما يؤثر الانتماء الطبقي، ومستوى الموقع الاجتماعي للفرد في سلوكه وممارساته وشدة الرجولة والانوثة، أو ضمورها في الشخص حسب انتمائه الجنسي؛ بل وللون البشرة وحجم بعض الاعضاء، كالنهدين والشعر في الفتاة، والعضلات وطول القامة في الشاب، واللباقة الكلامية، تأثير في السلوك والتعامل، والنظرة للذات ولقيمتها عند الاخرين.
وانطلاقاً من أن تكوين الانسان الجسدي، يؤثر في سلوكه وتعامله وثقته بنفسه، بل وفي نشوء الحالات السلوكية غير الصحيحة، كالغرور والتكبر، أو الشعور بالنقص، والغيرة والحسد، وربما نشوء روح الانتقام من الاخرين عندما يشعر بتخلف الحالة الجسدية، أو الجمالية عنده، عالج الاسلام تلك المسألة معالجة خاصة فحذر من الغرور والكبرياء، كما حذر من الغيرة والحسد والشعور بالنقص، وأوضح ان قيمة الانسان بأفكاره وسلوكه وخلقه.
فالانسانية قيمة ومعنى، وذات متقوّمة بالفكر والمشاعر والوجدان والاخلاق والارادة، وليس بالظواهر الجسدية، ولا بالشكل المادي المغري للانسان. جاء ذلك في قوله تعالى: (انّ اُكرمكم عند الله اتقاكم). (الحجرات / 13)
كما جاء التحذير من الانخداع بالشكل الظاهر الجسدي، الذي لا يحمل المحتوى الانساني السوي، في وصفه للمنافقين في قوله تعالى: (واذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون). (المنافقون / 4)
وقال محذراً من الغرور في وصية لقمان لابنه:
(ولاتمش في الارض مرحاً انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولاً).(الاسراء /37)
وفي حديث الرسول الكريم محمد (ص) بيان وتوعية وتثقيف، وتعريف بقيمة الاعمال والصور الجسدية، قال (ص):
«ان الله تعالى لاينظر الى صوركم واموالكم، ولكن انما ينظر الى قلوبكم وأعمالكم»(5).
وكما جاء التحذير، والدعوة الى عدم الغرور والتعالي، أو الاغترار بالشكل والجسم والمظاهر الجسدية، كاللباقة الكلامية، والقوة والصحة... الخ، قام بتوعية اخرى لمن يفقدون بعض الملكات الجسدية، ويشعرون بالنقص، وروح الغيرة والحسد، وربما يدفعهم ذلك الى الشعور بالنقص والخجل، أو يولد في البعض روح الانتقام.
قال تعالى: (قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق* ومن شر غاسق اذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد* ومن شر حاسد اذا حسد(6)). (الفلق / 1 ـ 5)
وقال تعالى: (ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وَسْألوا الله من فضله انّ الله كان بكلِّ شيء عليماً). (النساء / 32)
وتتجسد الدعوة الى التكامل النفسي، والنظر الى الذات نظراً متوازناً، بعيداً عن الشعور بالنقص، أو نتيجة لما يتمتع به الانسان من مواصفات، في دعاء الامام زين العابدين، علي بن الحسين (ع): «اللهم واجعل غناي في نفسي»(7).
فالدعاء يلخّص أرقى تعامل تكاملي مع الذات، ويجنّبها الاحساس بالنقص، أو الشعور بالحقد والحسد والغيرة.
ففي كل انسان مواصفات وقابليات وملكات يتمتع بها، كافية لان تجعل منه انساناً مقتنعاً بشخصيته لو أحسن الاستفادة منها، وذلك عدل الله سبحانه، وتلك حكمته في الخلق، والشعور بتفوق الاخرين
دافع نحو العمل والابداع والاحساس من الجميع بالحاجة الى الاخرين. وضّح القرآن ذلك بقوله: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخرياً).(الزخرف / 32)
ونجد تلك التوعية على معالجة تلك المشكلة النفسية التي تنشأ بسب الوضع الجسدي للانسان واردة في عموم ما بيَّنه الرسول (ص)من صفات الانسان المؤمن، جاء ذلك في قوله (ص): «ولايجتمعان في قلب عبد، الايمان والحسد»(8).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com