السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  دور المسـاجد في حـياة المسـلمين


دوافع العبادة في المسيرة الإنسانية

بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِاللهِ ، وَا لْيَوْمِ الاْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) .
( التّوبة / 18 )
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِِ ، فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) . ( الجنّ / 18 )
المقـدّمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد عبد الله ورسوله، وعلى آله الطيِّبين الطّاهرين وبعد :
فهذه محاولة مقتضبة لدراسة الدور الرِّسالي ، والحضاري الذي ينهض به « المسجد » في حياة المسلمين ، كما أراد الإسلام الحنيف ، ورسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)...
انّ أعظم نموذج لمهمّة المسجد في دنيا المسلمين جسدها عملياً في واقع التجربة الإسلامية : مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنوّرة ، حيث كان ذلك المشروع محور الحركة ، والنشاط ، والفعالية في حياة المسلمين .
فقد كان مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) محراب العبادة ، ومنار التوحيد ، كما كان دار الحكم ، ومحور التوجيه الفكري ، والسياسي ، وتوزيع المسؤوليّات ، كما كان مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : دار العدالة ، وملاذ المحتاج ، وكهف المظلوم ...
إنّ هذا المسجد المبارك هو الذي أصبح مثالاً يحتذى من قبل مساجد المسلمين ، بعد انتشار الإسلام في العالم ، حيث وجدنا مسجد الكوفة ، ومسجد البصرة ، والجامع الأزهر ، وأمثالها مصادر للمعرفة ، والعزّة الإسلامية ، والنهضة ، والتحضّر الإنساني لعدّة قرون !
لقد صار المسجد في حياة المسلمين ميزاناً يوزن به ثقلهم الحضاري والمدني في دنيا الناس ، فإذا أخذ المسجد في حياة المسلمين موقعه الطبيعي ، وأدّى رسالته بشكل مناسب كان ذلك دليلاً على أنّ مسيرة المسلمين في الاتِّجاه الصحيح ، وإذا تلكأ المسجد عن حمل رسالته ، وتحوّل إلى هيكل مادّي أو متحف جميل هو أقرب لمحلاّت الزِّينة والسياحة منه إلى العبادة ، والنهوض بالعمل الصالح ، وصار محكوماً بقرارات دوائر الأوقاف تفتحه ساعتين أو ثلاثاً كل يوم لأداء الفرائض ، دون سواها ...
إذا تلكّأ المسجد عن أداء مهامه الرِّسالية في حياة المسلمين ، فانّه يعكس واقعهم المتدنِّي في سلم النهوض ، والتحضّر ، حيث التخلّف عن مهام الرِّسالة الإلهيّة ، وقيمها ، وطاقاتها الخلاّقة لبعث موات الأمّة ، التي استباحها الأعداء الأمميون ، والمحليون ...
انّ أهمّ ما ينبغي أن يهتم به المسلمون اليوم ، هو : إعادة المسجد إلى موقعه الطبيعي في حياتهم اليومية ، في العبادة ، والعمل الصالح ، والتوجيه ، والتصدِّي للانحراف ، والرّذيلة ، والوهن ...
إنّ هذه الدراسـة تُشكِّل محاولة هادفة لتبصير المسلمين بمهمّة المسجد كما أرادها الإسلام الحنيف ، لكي يبذلوا قصارى جهودهم ، من أجل أن يكون المسجد في موقع الرِّيادة لهذه الصّحوة الدينية المباركة التي تكتنف بلاد المسلمين من أقصاها إلى أقصاها ، لتكون على الصراط المستقيم : (صِرَاطَ ا لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، وَلاَ الضَّالِّينَ ) .
وبالله التّوفيـق
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) . ( الذّاريات / 56 )
من الحقائق الثابتة في الحياة الإنسانية : انّ الإنسان منذ انبثاقه على ظهر هذا الكـوكب تتحكّم في كيانـه طاقات حيويّة تدفعه للقيام بفعالياته المختلفة ، وتدعوه لإشباعها ...
ومن خصائص هذه الحاجات الطبيعية الراسخة في الكينونة البشرية انّها إذا لم تشبع وفق برنامج سليم ، تنحرف بالإنسان في حقل التعبير عن ضرورة اشباعها ، تحت إلحاح الحاجة إلى ذلك ..
والغريزة الجنسية ـ مثلاً ـ تنادي بضرورة اشباعها، فإذا تغاضى الناس عن الاستجابة لإلحاحها سلكت بالإنسان السّبل الخاطئة لسدّ حاجتها ..
فغريزة حبّ التمـلّك ، إذا لم تتوفّر لها الفرص الطبيعية المناسـبة للإستجابة لإلحاحها عبّرت عن ذلك بالوسائل الشرعية، وغير الشرعية على حدٍّ سواء .
وتقع غريزة التديّن في هذا السِّياق ، فهي غريزة مركوزة في كيان الإنسان منذ خلقه الله عزّ وجلّ ، وتعبِّر هذه الجوعة الطبيعية لدى الإنسان عن الشـعور بالحاجة إلى الخالق المدبِّر لشؤون الحياة (1) ، وينعكس هذا الشعور الغريزي بالتقديس لما يعتقد الإنسان انّه الخالق، المدبِّر ، حيث أنّ التقديس يمثِّل الدرجة القصوى للاحترام والتكريم القلبي لدى الإنسان !
وهكذا فانّ تاريخ البشريّة ، لا يمكن أن يخلو من ظاهرة التديّن ، والتقديس لمعبود معيّن ، سواء أكان حقّاً أو باطلاً ، ومن أجل ذلك نجد التديّن ، والعبادات تراوحت عبر التاريخ بين عبادة الله عزّ وجلّ ، وعبادة الأصنام ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والكواكب ، والنار ، وما إلى ذلك ..
والإنسان في هذه القضيّة التكوينية ، ينسجم مع ظواهر الوجود كلّها من حوله ، حيث تبدو كلّها ساجدة في محراب العبودية لله عزّ وجلّ ، وإذا كان بمقدور الإنسان أن يشذّ عن معبوده الحقيقي ، فيعبد سواه ، فإنّما يتم ذلك بسبب حرية الاختيار التي منحها الله للإنسان دون سواه ، إضافة إلى تأثير التربية والثقافة الفاسدة النائية عن الله عزّ وجلّ :
(وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ). (الشمس/ 7 ـ 8)
ومن أجل ذلك فانّ الوجود يشهد لونين من الخضوع والعبودية لله عزّ وجلّ :

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com