اسم الكتاب: دور المسـاجد في حـياة المسـلمين
2 ـ الخضوع التشريعي لله عزّ وجلّ :
امتاز النوع الإنساني دون مخلوقات الله عزّ وجلّ كافّة بكونه يملك إرادة واختياراً في فعل الخير والشرّ على حدّ سواء ، فهو بما منحه الله عزّ وجلّ خصوصية الاختيار، بمقدوره أن ينسجم مع أوامر الله تعالى ونواهيه التي صدع بها رسله (عليهم السلام) ، كما انّ بمقدوره أن يعصي ، ويتمرّد ويطغى ، ويتجاوز حدود ربّه الأعلى عزّ وجلّ ... وهو في هذه الميزة ، يختلف عن علاقته التكوينيّة مع الله عزّ وجلّ ، فإذا كان الإنسان في علاقته التكوينـيّة مع الله عزّ وجلّ ، كسائر المخلوقات مسيَّراً خاضعاً لا اختيار له ، ولا إرادة ، فانّه في علاقته التشريعية مع الله عزّ وجلّ ، وطريقة تنظيمها ، مختار ، مريد ، يختار أسلوب علاقته تلك كما يشاء(3) .. وعن هذه الخصوصية التي اختصّ بها الإنسان دون سواه يتحدّث القرآن الكريم في كثير من نصوصه المقدّسة : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً ، وَإِمَّا كَفُوراً ) . ( الدّهر / 3 ) (فَمَن شَاءَ فَلْيُوْمِنْ ، وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) . ( الكهف / 29 ) (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَن ضَلَّ ، فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا ، وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) . ( الإسراء / 15 ) (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ ، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ) . ( الفرقان / 43 ) (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ ... ) . ( التوبة / 31 ) وهكذا تعبِّر هذه النماذج من النصوص الكريمة ، وأمثالها كثير عن مـيزة الإرادة والاختـيار التي اختصّ بها الإنسان دون سواه من الموجودات ، وعن نتائج تلك الحالة التي تتمخّض عنها حالات شتّى يختارها الإنسان بإرادة منه ، ورغبة : فهو مرّة شاكر لله تعالى على نعمه ، منيب إليه ، مقدر لله حقّ قدره ، ومرّة تراه كافراً بنعم الله تعالى ، متجاوزاً حدوده ونواهيه ، متخطّياً أوامره وقيمه ! وتراهُ مرّة هادياً مهتدياً ، ليحقِّق لنفسه الخير والسعادة ، وتراه أخرى ضالاًّ ، منحرفاً عن سواء السبيل ، يتحمّل نتائج أعماله عذاباً وابتعاداً عن نعم الله تعالى ، ورضاه ... كما نراه أحياناً يتّخذ هواه ، ونزواته الهابطة إلهاً من دون الله عزّ وجلّ ، فينحط ، ويتسافل ، ويسقط في مستنقع الرّذيلة والانحراف كما يفعل مثل ذلك حين يتّخذ من المؤسّسـة الدينية المنحرفة عن قيم الأنبياء (عليهم السلام) : « الرّهبان ، والأحبار » أرباباً من دون الله تعالى ، يشرعون له حسب أهوائهم ، وما يشاؤون ، بعيداً عن شرع الله تعالى ونهجه ، فيحلّون حرام الله ، ويحرِّمون حلال الله تعالى (4) .
|
|