قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: دور المسـاجد في حـياة المسـلمين
نظام العـبادة في الإسـلام
من الأهداف المركزية للشرائع السماوية التي بعث الله تعالى بها رسله تترى عبرَ العصور والأجيال ، أن يضعوا البرامج لتنظيم شؤون حياة الإنسان عمـوماً ، وينظِّموا متطلِّبات غرائزه وجوعاته في هذا الإطار ... فغريزة النوع ، يضع الإسلام الحنيف لها نظاماً خاصّاً لتحقّق أهدافها المناطة بها من قبل الخالق عزّ وجلّ ، حيث تقع مفردات : الزواج ، والنفقة ، وحقوق الزوجين ، والطلاق ، والرضاعة ، والعلاقات بين الجنسين ، وأمثال ذلك ضمن قوانين النظام الإسلامي الخاص بتنظيم شؤون الغريزة الجنسية المذكورة .. وغريزة التملّك لدى الإنسان تخضع في إطار الشريعة الإسلامية المقدّسة إلى نظام خاص في بنوده ، ومفاهيمه ، وأحكامه مثل : الحقّ الخاص، الرِّبا، التداين ، القرض، الزّكاة، الخمس، زكاة الفطرة، الحيازة ، الغصب ، اللّقطة ، الإجارة ، الغش ، السرقة ، إلى غير ذلك من مفاهيم . وفي هذا الإطار تأتي غريزة « التديّن » وما تفرضه من ضرورة التقديس والعبادة ، حيث وضع الإسلام الحنيف نظاماً خاصّاً للعبادة ، ينسجم مع واقعية الإسلام في التعامل مع الإنسان بكل قواه ، وغرائزه ، وجوعاته من خلال مبدأ الموازنة بين هذه الطاقات جميعاً دون إفراط ، أو تفريط ، حتّى لا تزيغ بالإنسـان الطرق ، والأساليب ، فتبعده عن الصراط المستقيم ، حيث المادّية المنحرفة أو الصوفية المتطرفة ... وقد جاء نظام العبادات في الإسلام شاملاً لكل جوانب حياة الإنسان ، حيث العبادات العقلية كالتفكّر بالله ، والمصير الإنساني ، والتفكير بالموت والآخرة وأمثال ذلك . والعبادات المالية كدفع الزّكاة ، والخمس ، والصدقة المستحبّة ، وغيرها . والعبادات النفسية ، كالرضا بقضاء الله ، وقدره ، ورجائه ، والخوف منه ، والتوكّل عليه ، وشكره ، والشعور بعبوديته جلّ وعلا . والعبادات الروحية ـ البدنية كالصلاة ، والصيام ، والحج ، وما إلى ذلك من شؤون . إنّ نظام العبادات في الإسلام ، قد حرص على الموازنة بين مطالب الجسد والروح ، وما أروع هذا النصّ القرآني الكريم الذي يجسِّد هذه الحقيقة حيث يقول : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ، وَنُسُكِي ، وَمَحْيَايَ ، وَمَمَاتِي للهِِ رَبِّ ا لْعَالَمِـينَ ) . ( الأنعام / 162 ) فالصلاة ، والحج ، والصوم ، والحـياة ، والممات في مقياس المسلم كلّها لله عزّ وجلّ . وهكذا فانّ عبادة الله عزّ وجلّ تنتظم فيها جوانب الحياة كلّها ، في منطق الشريعة الإسلامية الخاتمة ، فصحيح انّ الصلاة ، والصيام ، والدعاء ، والاستغفار ، والاعتكاف ، والحج ، والصدقة ، وقراءة القرآن الكريم، وما إليها محطّات روحية، تمد جسور الصلة بالله الواحد، الأحد، فتَسْبَح فيها الأشواق الروحية ، مسبِّحةً ، ذاكرة ، فينقلب الإنسان ريّاً ، رويّاً ، راضياً ، إلاّ انّها ليست نهاية المطاف . فالإسلام الحنيـف يعطي العبادة مفهوماً شاملاً عميقاً أوسع من ذلك ، إذ كل عمل يعمله الإنسان تلبية وطاعة لله عزّ وجلّ فهو عبادة وكلُّ أمر ينـأى ابن آدم عنه تقرّباً وطلباً للثواب فهو عـبادة ، وكلُّ سبيل يسلكه المؤمن وقد ندب الباري عزّ وجلّ إليه ، فهو عبادة . وهكذا يكون المسـلم الذي هذا نهجـه وكأ نّه في خشـوع دائم ، وتطلُّع دائم إلى الله عزّ وجلّ تجسيداً لقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ، وَنُسُكِي ، وَمَحْيَايَ ، وَمَمَاتِي للهِِ رَبِّ ا لْعَالَمِـينَ ) . ( الأنعام / 162 ) إنّه في عبادة وهو في محرابه ، كما هو في عبادة وهو في مكتبه ، وهو في عبادة عندما يكون في متجره وعيادته أو قاعة درسه أو ساحة جهاده ، إنّه الاتصال الدائم بالله جلّ وعلا ، واستشعار وجوده وعظمته في كلّ آن . على أنّ الإسلام الحنيف ، قد وضع محطّات دائمة أخرى على طريق المسيرة الإنسانية هي غير الصلاة والصيام وما إليها ، فهناك : ـ استشعار وجود الله تعالى فيما حول الإنسان من حقائق وأشياء ومخلوقات تملأ ساحة النفس والآفاق : في السماء والأرض ، والحيوان والنبات والجماد ، وكل دقيق وجليل ، فضلاً عن الإنسان هذا المخلوق العجيب . ـ المراقبة الدائمة الواعية لله تعالى ، واستشعار مخافته ، والشعور بهيمنته في كلّ حقل ، وفكرة ونشاط . ـ التوكّل على الله تعالى في الأمور كلّها . ـ اللّجوء إلى الله ، والتسليم له جلّ شأنه وعلا . ـ التقوى والعمل الصالح كما شاء الله ربّ العالمين . إنّ القرآن الكريم مليء بالآيات الموقظة الموحية التي تعمق تلك المبادئ الهادية : ففي حقل الشعور بعظمة الله عزّ وجلّ من خلال مخلوقاته نقرأ هذا النموذج : (وَاللهُ خَلَقَكُم مِن تُرَاب ثُمَّ مِن نُطْفَة ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّر وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَاب إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * وَمَا يَسْتَوِي ا لْبَحْرَانِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَـائِغٌ شَرَابُهُ وَهذَا مِلْحٌ أُجَـاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلَيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ا لْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَا لْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمّىً ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ ا لْمُلْكُ وَا لَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير ) . ( فاطر / 11 ـ 13 ) وفي حقل مراقبة الله تعالى الدائمة للعباد ، يقول عزّ وجلّ : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي ا لاَْرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ ) . ( المجادلة / 7 ) (عَالِمُ ا لْغَيْـبِ وَالشَّهَادَةِ ا لْكَبِيرُ المُـتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ ا لْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْف بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ) . ( الرّعد / 9 ـ 10 ) ويسلّط القرآن الضوء على قيمة الخشوع ، والتقوى لله تعالى ، وآثارها العظيمة في مسيرة المؤمنين ، فيقول تبارك وتعالى : (قَدْ أَفْلَحَ ا لْمُؤْمِنُونَ * ا لَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَا لَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَا لَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَا لَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ ا لْعَادُونَ * وَا لَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَا لَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ ا لْوَارِثُونَ * ا لَّذِينَ يَرِثُونَ ا لْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) . ( المؤمنون / 1 ـ 11 ) وفي القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تحث على التوكل ، والصبر والتسليم لله ربّ العالمين . ففي أهمّية أركان الإسلام وذكر الله عزّ وجلّ يتحدّث الإمام علي (عليه السلام) ، فيقول : « إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى ، الإيمان وبه وبرسوله ، والجهاد في سبيله ، فإنّه ذروة الإسلام وكلمة الإخلاص فإنّها الفطرة ، وإقام الصلاة فإنّها الملّة ، وإيتاء الزكاة فإنّها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب ، وحج البيت واعتماره فإنّهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب ، وصلة الرحم فإنّها مثراة في المال ، ومنسأة في الأجل ، وصدقة السر فإنّها تكفر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة السوء ، وصنائع المعروف فإنّها تقي مصارع الهوان . أفيضوا في ذكر الله فإنّه أحسن الذِّكر ، وارغبوا فيما وعد المتّقين فإنّ وعده أصدق الوعد ، واقتدوا بهدي نبيّكم فإنّه أفضل الهدي ، واستنّوا بسنّته فإنّها أهدى السّنن »(5) . وهكذا شرع الإسلام الحنيف من سبل معرفة الله عزّ وجلّ ، ووسائل الانشداد إليه عزّ وجلّ وطرق الارتباط به الشيء الكثير (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) . وهنا تتجلّى العلامة الفارقة بين شريعة الله الخاتمة ، والنصرانية الحالية التي تعطي للعبادة لوناً باهتاً محصوراً في إطار طقوس كنسية خاوية لا تستجيب لطموحات الروح ، ولا تروي ظمأها ، ولا تشبع جوعتها ! اضافة إلى أنّ النصرانية المعاصرة تعطي للعبادة مفهوماً ضيقاً لا يتعدّى إطار الطقوس التي يؤدِّيها النصارى في أيّام الآحاد . وبناءً على ذلك يكون أتباع الكنيسة قد اختطوا اليوم منهجاً غريباً يقضي «بتقسيم الحقوق» بين الإنسان وبين الله تعالى ، فللّه يصلون في الكنيسة ويقرؤون الأناجيل مثلاً، بينما يمكِّنون الإنسان من رسم طريقه في الحياة وفقاً لمشيئته فيشرع حسب مقتضيات مصالحه ويقنن وفقاً لما تملي عليه رغباته وأهواؤه ، دون الالتزام بالأحكام الدينية . وقد كشف القرآن الكريم عن أخطاء التصوّر النصراني الكنسي ، وأنحى باللاّئمة على النصارى الذين حصروا عبادة الله في زاوية محدودة، في حين أعطوا منظِّريهم وقادة الرأي فيهم حقّ التشريع والتقنين ، قال تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ، وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِداً لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . ( التوبة / 31 ) ولقد أوضح الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) المفهوم الذي طرحته الآية الكريمة الآنفة الذكر حيث قال (عليه السلام) : « أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم ، ولكن أحلّوا لهم حراماً ، وحرّموا عليهم حلالاً ، فعبدوهم من حيث لا يشعرون » (6) . فالله هو الخالق ، والله هو المدبِّر لشؤون البشر وحياتهم : (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ ، وَا لاَْمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) . ( الأعراف / 54 ) (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) . ( يوسف / 40 ) والمسلم في المنطق الإسـلامي عابد يتلقّى ما يأمره ربّه تعالى بالتسليم والطاعة فليس له أن يخالف منهج الله ، وليس له أن يشرع قبال شرعه الكريم : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِـيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً ) . ( الأحزاب / 36 ) على أنّ المشرع الأعلى عزّ وجلّ قد ضـمن للإنسان من جانبه تلبية شريعته الغراء لكل متطلبات الإنسان ، وطموحاته ، واستجابتها لكل حاجاته الفطرية ومشاكله المستجدّة . وهذا الموقف من الرِّسالة ـ موقف التغطية لكل حاجات الإنسان ـ موقف واقعي بالصميم ، فقد علم الله سبحانه وتعالى أنّ حياة الإنسان واسـعة المطالب والحاجات والطاقات ومن شأن حياته التحوّل ، والتغيير ، والتطوّر كذلك .. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الفقهاء اعتادوا على تقسيم الرِّسالة الإسلامية المقدّسة إلى ثلاثة أبواب : 1 ـ العقائد . 2 ـ العبادات . 3 ـ المعاملات . ورغم انّ العبادات جزء من الأحكام ، والمفاهيم ، والحدود الإلهيّة التي يتقيّد بها العـباد وانّ أداءها جزء من الطاعة لله عزّ وجلّ ، كالالتزام بأحكام المعامـلات ، إلاّ انّ العـبادات تمتاز عن سواها من أحكام لكون « النيّة الخالصة » أحد أركانها الرئيسة ، وانّها بدون النيّة لا يكون العبد قد أدّاها لافتقادها ذلك الركن الأساس .. وهذه أهمّ الخصائص المركزية التي تمـتاز بها الفرائض عن سـواها من أحكام وحدود شرعيّة (7).
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|