السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  دور المسـاجد في حـياة المسـلمين


المسجد الحرام منار العبادة ومنطلق المساجد في الأرض :

كانت عملية بناء الكعبة المشرّفة في مكّة المكرّمة إيذاناً بقيام المؤسّسات التوحيدية الكبرى في تاريخ هذا الكوكب ، حيث كان هذا المشروع الإلهي ( البيت العتيق ) إيذاناً بميلاد المساجد في الأرض ، وانتشارها عبر وجود الانسان على ظهر هذا الكوكب الأرضي ، حيث تلا ذلك المشروع مباشرة ظهور المساجد وانتشارها مع انتشار الأنبياء (عليهم السلام) ، والصالحين والركّع السجود في أرض الله الواسعة ابتداء من فجر التاريخ حتّى اليوم .
على أنّ المسجد الحرام في مكّة المكرّمة ، الذي كان أوّل بيت وضع للناس ـ كما وصف القرآن الكريم ـ شاء الله تعالى أن يكون موضع الاجتماع العالمي لأتباع التوحيد والإسلام على وجه الأرض ، من خلال فريضة الحج السنوي التي أذّنَ فيها إبراهيم (عليه السلام) ، فاستجابت له النفوس ، ولا يزال نداؤه تردده الآفاق خصوصاً بعد أن أذّن بتلك الدعوة الربّانية ، حفيده الخاتم المختار محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم) ...
فالكعبة شاء الله تعالى أن تكون موضع الاجتماع العالمي للركع السجود في الأرض عبر الأزمان ، ثمّ تليها المساجد بالانتشار في الأرض ، ليكون هناك مسجد النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومسجد الاقليم ، ومسجد المدينة ، ومسجد القرية ، ومسجد القبيلة ، ومسجد المحلّة ، ومسجد الدائرة ، ومسجد الأسرة ...
وشاء الله ربّ العالمين أن تتأ لّق بعد الكعبة ـ من حيث الأهمّية الدينية ، والانسانية ـ عدّة مساجد كان أبرزها : المسجد النبوي في المدينة المنوّرة ، ومسجد الكوفة ، والمسجد الأقصى ، ثمّ تتوالى المساجد الأخرى حسب قيمتها الحضارية ، وما تقدِّمه للإسلام والنهضة الإسلامية ، وعزّة المسلمين ، كالأزهر الشريف في القاهرة ، ومسجد القرويين في المغرب ، والزيتونة في تونس ، ومسجد البصرة في العراق ، وغيرها .
على أنّ بعض المساجد فقدت قيمتها ، أو كادت بسبب ظروف سياسية ، واجتماعية قاهرة ، كمسجد الزيتونة ، ومسجد البصرة مثلاً ...
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ المساجد بدأت بالظهور في تاريخ الانسان منذ نشوء المسجد الحرام في مكّة المكرّمة إلاّ انّ تغيّر الأسماء لتلك المعابد المقدّسة عند بعض الأمم ، كالدير ، والكنيسة ، والبيع ، كان بسبب التزييف الذي حصل في الأديان بعد أنبيائها (عليهم السلام) ، كما وقع في مفاهيمها وكثير من قيمها ، وشعائرها ، إلاّ أنّ أهمّ المساجد ـ بعد البيت الحرام ومسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنوّرة ـ في تاريخ الإنسانية ما يلي :
1 ـ المسجد الأقصى :
وهو قبلة المسلمين الاُولى ، حيث ولّى المسلمون وجوههم قبله في الصلاة قبل أن يولّوها شطر المسجد الحرام بمكّة ، ويُعتبر الأقصى أهم الأماكن الاسلامية المقدّسة وأقدمها ، لا يتقدّم عليه من حيث المنزلة غير الحرم المكِّي ومسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . ومن هنا يُعرف بثالث الحرمين واُولى القبلتين . إليه أسرى الله برسوله الكريم ليلة الاسراء ، وقد تحدّث عن ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى :
(سُبحان الّذي أسرى بعبدهِ لَيلاً منَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الّذي باركنا حوله لنُريهُ من آياتنا إنّه هو السّميع البصير ).
( الاسراء / 1 )
وعن مكانته قال الامام علي (عليه السلام) : «إنّ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة»(23) .
كان قد بناهُ نبي الله يعقوب بن إسحاق (عليه السلام) ، وجدّد بناءه سليمان بن داود (عليه السلام) ، على أن بعض الرّواة يرى أنّ آدم (عليه السلام) هو الذي بناهُ لأوّل مرّة(24). هذا وقد جدّد المسلمون بناءه في عصور اسلامية مختلفة .
كان المسجد الأقـصى وبيت المقدس الذي احتضنته مسرحاً لأحداث مهمّة على مرّ التاريخ لا سيّما في العهود الاسلامية ، وعلى رأس ذلك الغزو الصليبي سنة 1099 م (492 هـ ) . وقد قام الصليبيون بتغيير معالم المسجد لأغراضهم الخاصّة ، فقاموا بتحويل قسم منه إلى كنيسة وانتهكوا حُرمته الدينية ، بينما استخدموا الأروقة الواقعة أسفل المسجد اسطبلاً لخيولهم . وظلّ الوضع كذلك حتّى عاد المسجد إلى السيادة الاسلامية سنة 1187 م (583 هـ ) . والحدث المهم الآخر ، الذي جرى على المسجد الأقصى والقدس الشريف ، هو الاحتلال الصهيوني لهذه البقاع المقدّسة عام 1967 م ، والذي ما زال قائماً حتى يومنا هذا .
2 ـ مسجد الكوفة : الذي بناهُ آدم (عليه السلام) (25) وظلت الأنبياء (عليهم السلام)والأوصياء تتعاهده بالتعظيم والتكريم ، حيث يضمّ قبور أعداد من النبيِّين ، والمرسلين والأوصياء الصادقين (عليهم السلام) ...
وفي الكوفة (مسجد سهيل أو السّهلة) ، كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) : « ... بالكوفة مسجد يُقال له : مسجد السّهلة ، لو أن عمي زيداً أتاه ، فصلّى فيه ، واستجار الله لأجاره عشرين سنة فيه مناخ الراكب ، وبيت إدريس النبي ، وما أتاه مكروب قط ، فصلّى فيه بين العشاءين ودعا الله إلاّ فرّج الله كربته»(26) .
3 ـ مسجد الخيف في منى : وهو من المساجد التي أسّسها إبراهيم الخـليل (عليه السلام) ، وصلّى فيه مئات من الأنبياء (عليهم السلام) ، وسُمِّي بالخيف لارتفاع موضعه عن الوادي(27) ، وقد تأكّد استحباب الصلاة والعبادة فيه .
4 ـ مسجد قبا في المدينة المنوّرة : وقد وردت أحاديث بكونه المسجد الذي اُسِّس على التقوى قبل وصول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة المنوّرة ، أسّسه الصحابي عمّار بن ياسر (رضي الله عنه) كما ورد في بعض أحاديث الرواة (28) ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بالصلاة فيه ، وكان يصلِّي فيه كلّ أسبوع .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com