السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  دور المسـاجد في حـياة المسـلمين


مؤسّسات أُخرى للعبادة

وإلى جانب المساجد التي أقامها المسلمون في كل مكان تعبيراً عن هويّتهم الثقافية ومهمّتهم الرِّسالية في التاريخ ، أقام المسلمون هنا ، وهناك مؤسّسات أخرى للعبادة أو اقامة شعائر دينية أخرى ...
ويلاحظ أنّ هذه المؤسّسات التي لاتحمل خصائص المساجد بدرجة ما ، ولا حرمتها ، قد بدأت بالظهور منذ العصور العبّاسية المتأخِّرة ثمّ في العهد العثماني والصفوي ، ولا تزال هذه المؤسّسات تتكاثر هنا ، وهناك ، حتّى انّ بعضها قد يزاحم المساجد في بعض البلدان ، ويؤدِّي وظائفها أحياناً !
ويمكننا أن نحصر هذه المؤسّسات ذات الوظائف العبادية بشكل عام بما يلي :
1 ـ المصلّى : هذه اللّفظة تطلق عادة على الأماكن التي تخصّص للصلاة فحسب، ومنها صلاة العيدين ، وصلاة الأموات ، والاستسقاء ، وما إليها ، وقد اُقيمت في بداياتها في أرض فضاء دون سقف ، ولا حدود ، وكانت تقام عادة في خارج المدن ..
وتشير بعض السِّيَر انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل من أوجد المصلّى ، وذلك لإقامة صلاة الأموات ، وصلاة الاستسقاء ، والأعياد ، وكان ذلك المصلّى في عقيق المدينة ، وقد بقي على حالته ، حتّى أيّام الخليفة عمر بن عبدالعزيز ، الذي أمر ببنائه ، وإقامة مسجد على تلك الأرض ، سُمِّي « مسجد المصلّى » ...
ومنذ ذلك التاريخ اتّسعت المصلّيات في بلدان المسلمين المختلفة وتعدّدت ، بعضها لإقامة الصلاة المكتوبة في المدارس أو خارج المدن ، وبعضها لإقامة صلاة العيد فحسب ، وبعضها في الأسواق الموسمية أو في الدوائر الحكومية ، أو عند مواقف السيارات العامّة وما إلى ذلك ..
ومن خصائص المصلّى انّه لا يمتلك الخصائص المسجدية كاملة كوجوب الطهارة من الجنابة أو الحيض بالنسبة لداخليه ، أو حرمة إلغائه ، أو ما إلى ذلك من أمور تتعلّق بأحكام المساجد التي سنشير إليها في الصفحات القادمة ...
وهكذا فانّ المصلّيات أماكن يتّخذها المسلمون للعبادة ، حسب الحاجة والظروف أو تُخصّص لنوع من العبادة ولا تنطبق عليها شروط المساجد بشكل عام .
2 ـ التّكايا : وهي نوع من المـعابد التي ظهرت في العهود الإسلامية المتأخّرة ، وتعززت في أيّام الدولة العثمانية ، ويقيم في هذه المؤسّسات أعداد كبيرة من الدراويش ، فهي معابد لأداء طقوسهم العبادية ، ورياضاتهم الروحية ، كما هي سكن مجّاني لهم ، وكان نظام الدراويش والمتصوِّفين في هذه المؤسّسات يعتمد على تقسيم المنتمين إليها إلى مجموعات ، كل مجموعة منهم يشرف عليهم شيخ ، يعنى بتدريبهم ، وتربيتهم حسب نظام الطريقة التي ينتمون إليها .
ولقد انتشرت التكايا في أقاليم الدولة العثمانية الواسعة ، وشاعت بشكل كبير ، وكانت الدولة تشجع هذه المؤسّسات لأهداف سياسية ، ودينية ، وتشبه التكايا في الدولة العثمانية ، نظيرتها في بلاد فارس ومصر أيّام المماليك ـ مؤسّسات « الخانقاه » ـ التي كانت تكايا القرن الرابع الهجري وما بعده في مصر وبلاد فارس وما إليها ..
3 ـ الزّوايا : كانت بداية الزّوايا بداية علمية ، حيث يتّخذ كل شيخ أو عالم زاوية من زوايا أحد المساجد الكبرى لتعليم الفقه ، وتفسير القرآن الكريم ، وعلوم الاسلام الأخرى ، وكان لكل شيخ مريدوه ، وأتباعه ، وكانت كل زاوية تسمّى باسم شيخها ..
وعند ظهور الطرق الصوفية ، ونموها في العالم الإسلامي ، اختصّت الزوايا بأصحاب الطرق خصوصاً أيّام الدولة العثمانية والمماليك ، حتّى بلغ الحال انّ شيخ الطريقة كان يعيّن من قبل السلطان أو من يليه في السلطة ...
وأهمّ الزوايا الصوفية التي ظهرت في بلاد المسلمين : زاوية الشيخ عبدالقادر الجيلاني التي ظهرت في القرن السابع الهجري في طبرستان ثمّ شملت الهند ، وتركيا ، وأفريقيا ، وكانت تتبنّى المذهب الحنفي فقهياً ..
وزاوية السيِّد أحمد الرفاعي الذي ظهر في واسط في القرن السادس الهجري وقبره الآن في مدينة الرفاعي في وسط العراق ، وكان لهذه الزاوية أثر في الدولة العثمانية ، وكان أبو الهدى الصيادي أحد أحفاد السيِّد أحمد الرفاعي في أيّام السلطان عبدالحميد الثاني ، من المقرّبين للسلطان في عهده ، وكانت له حظوة في سياسة الدولة ، ومكانة عظيمة ، ومذهب هذه الطريقة كان المذهب الشافعي .
ـ زاوية السيِّد أحمد البدوي الحسيني ، التي اشتهرت أيّام بيبرس المملوكي ، ودخل وأتباعه الحرب ضدّ الصليبيّين ، وأبلى بلاء حسناً ، وقبره في مدينة طنطا في مصر من المزارات المشهورة .. وقد ذاع صيت هذه الطريقة أيّام المماليك .
ـ الزاوية الشاذلية ، التي تنتمي إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي ، التي انتشرت في المغرب العربي ومصر ، ولا تزال هذه الطريقة ذات نفوذ مهم في مصر اليوم .
ـ الزاوية التيجانية التي تنتهي إلى أبي العباس أحمد بن المختار التيجاني التي انطلقت من الجزائر إلى بلدان أفريقية .
هذا ومن الجدير بالذكر انّ في بلاد المسلمين زوايا أخرى كثيرة لا يزال بعضها ذا أثر مهم بين أتباعها في الهند ، والباكستان ، والعراق ، وشمال أفريقيا ، والسودان ، وغيرها من البلاد .
4 ـ المقامات ، والمزارات ، والمشاهد ، والعتبات المقدّسة : ودور هذه المؤسّسات متشابه عادة إلاّ في التفاصيل ، وتضمّ عادة قبور بعض الأنبياء وأوصياء الأنبياء والأولياء والصالحين من هذه الأمّة ، وأشهرها قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور الأئمّة من آل البيت (عليهم السلام) كأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف الأشرف بالعراق ، وقبر الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن عليّ سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كربلاء المقدّسة ، وأخيه أبي الفضل العبّاس بن علي (عليه السلام) ، ومشهد الإمامين العظيمين موسى بن جعفر الكاظم ومحمّد بن عليّ الجواد (عليهما السلام)في بغداد ، ومشهد الإمامين عليّ بن محمّد الهادي ، والحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام) في سامرّاء ـ العراق ، ومراقد أهل البيت (عليهم السلام)في البقيع بالمدينة المنوّرة ، ومشهد الإمام عليّ بن موسى الرِّضا (عليه السلام) في خراسان ، وعشرات غيرها في بلاد الشام ، والعراق ، وشمال أفريقيا ، وإيران ، وبلاد الهند ، وباكستان ، وغيرها .
ويهتمّ المسلمون في كلّ العالم عادة بهذه المراقد المقدّسة التي أقيمت عندها المساجد لعبادة المسلمين ، وذكر الله عزّ وجلّ ، ودعائه ، حيث اعتاد المسلمون عبر التاريخ أن يغتنموا للدُّعاء والذِّكر من أزمنة مقدّسة محدّدة ، وأماكن مقدّسة معلومة ..
وهذه العادة لم تتوقّف على فرقة دون فرقة من المسلمين طوال التاريخ الإسلامي ، إلاّ انّ الفقيه الحنبلي أحمد بن تيمية انفرد برأي رآه ، فأفتى بخلاف غيره من الفقهاء في مسألة زيارة قبور الأولياء ، وذكر الله تعالى عند مراقدهم المقدّسة .. فتعصّب مقلِّدوه لرأيه ولا يزالون !!
وتُعتبر هذه المشاهد اليوم من أهم مراكز العلم ، والعبادة ، والذِّكر ، والدّعاء في العالم الإسلامي كقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقبور الأنبياء (عليهم السلام) ، كالمشهد الابراهيمي بمدينة الخليل ، وكذلك الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) ممّن ذكرنا ، وممّا لم نذكر اضافة إلى قبور وأضرحة الصحابة وفقهاء المسلمين وعلمائهم ، حيث يزورها المسلمون مُستلهمين من أصحابها الدروس والذكريات والعِبَر .
5 ـ الحسينيّات : مؤسّسات دينية أنشأها أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في العهود الأخيرة ، وقد نشأت في أوّل أمرها في إيران ، والهند ، ثمّ انتشرت إلى العراق وبلاد الشام وغيرها من البلدان التي يقطنها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ..
ويلاحظ أنّ هذه المؤسّسات نشأت في الوسط الشيعي الإمامي ، كما نشأت قبلها التكايا والزوايا عند أهل السنّة من المسلمين ، فهي تكايا منسوبة لأبي عبدالله الحسين سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتتّخذ هذه الحسينيات أماكن لقراءة سيرة آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في مناسبات المواليد ، أو في ذكريات وفياتهم (عليهم السلام) ، وأهمّها ذكرى مآسي كربلاء المقدّسة التي جرت على سبط رسول الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب ابن فاطمة الزّهراء عليهم الصلاة والسلام ، وأصحابه حيث تُتلى في هذه المواضع سـيرة آل البيت (عليهم السلام) ، وما جرى عليهم من آلام ، كما تقام فيها الاحتفالات في المناسبات المتعلِّقة بهذا الموضوع ..
وتعجّ هذه الحسينيات في الغالب بنشاطات أدبية وثقافية دينية تتعلّق بالقيم التي زرعها أهل بيت الرِّسالة في ثقافة المسلمين ، كما تُقام في هذه الحسينيات كذلك نشاطات عبادية وثقافية مختلفة كاقامة الصلاة ، والأدعية ، والأذكار ، وصلاة العيدين ، وصلاة الجنائز ، ولذا سـمّاها البعض المساجد الحسينية(29)، وتعقد في كثير منها دروس لتعليم القرآن الكريم ، وتفسيره وتتحوّل بعضها إلى حوزات علمية لدراسة التفسير والفقه الاسلامي ، والعلوم الأخرى ..
ومن الراجح انّ هذه المؤسّسات قد اُسِّست لتُقام فيها بعض النشاطات التي قد يتعذّر اقامتها في المساجد التي تتطلّب مراعاة خاصّة، وتفرض قيوداً دينية مميّزة ، كما سنرى ...
انّ هذه المؤسّسات التي يبلغ عددها اليوم عشرات الآلاف في العالم الإسلامي ، وتنفق عليها الأموال الطائلة ، يمكن أن تقوم بدور ثقافي فعّال إنْ اُحسِنَ الاستفادة منها في ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التي تحمل أعظم مفاخر الاسلام الفكرية والعملية (30) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com