السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  دور المسـاجد في حـياة المسـلمين


من أحكام المسـاجد وآدابها

(وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) . ( الجنّ / 18 )
يُراد بأحكام المسـاجد وآدابها ، حين تطلق أو تذكر ، إنّما هي الضوابط التي وضعها الإسلام الحنيف لهذه المؤسّسات الشريفة ، من ناحية الضوابط الخاصّة بها ذاتياً ، والتي تحدِّد قيمتها المعنوية بين المؤسّسات الأخرى ، اضافة إلى كيفيّة التعامل معها سلباً أو إيجاباً من قبل المسلمين ...
ويمكن أن يطلق على هذه الضوابط ، والأحكام ، والآداب ، بالنظام الداخلي في المصلطح الحديث الذي يُحدِّد مكانة المسجد المعنوية وحقوقه وواجبات المسلمين تجاهه ...
فلقد اهتمّت النصوص المقدّسة في الكتاب والسنّة بهذا الموضوع أيّما اهتمام ، كما اهتمّ فقهاء الشريعة الإسلامية ببلورة تلك الضوابط ، وعرضها بشكل دقيق ، ضمن المجامع الفقهية العامّة ، أو في أبحاث فقهية خاصّة بشؤون المساجد ، حتّى انّك لا تكاد تجد كتاباً فقهياً قديماً وحديثاً لايفرد باباً خاصّاً لأحكام المسجد ، وشؤونه ، وآدابه! ...
وهذه أهمّ السنن والآداب التي اهتمّ الشارع المقدّس بعرضها في هذا الشأن :
1 ـ المساجد محور الوحدة بين المسـلمين : من البنود الرئيسة للميثاق الذي وضعته الشريعة الإسلامية المقدّسة للمساجد : انّ المسجد يجب أن يكون لعموم المسلمين ، لا لأتباع مذهب فقهي معيّن ، ولا فرقة ، ولا جماعة ، ولا يخص أهل محلّة بأيّ حال من الأحوال ، فلا يصح في المنطق الإسلامي أن يستأثر أي شخص أو جهة ، أو عنوان من العناوين المذكورة أو سواها بمساجد الله تعالى ، وإنّما هي لله وحده ، يعبده فيها جميع المسلمين ...
فقد ذكر المرحوم الشيخ محمّد حسن النجفي في موسوعته الفقهية « جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام » حول هذا الموضوع ما يلي :
« المراد بالمسجد شرعاً: المكان الموقوف على كافّة المسلمين للصلاة، فلو خصّ بعضاً منهم به لم يكن مسجداً ... » (31) .
ومن أجل ذلك فانّ تعليمات أئمّة المسلمين من أهل البيت (عليهم السلام)تؤكِّد على هذا المضمون عملياً ، كما ورد في النصوص التالية :
ـ فعن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) ـ يوصي أتباعه بالصلاة خلف مخالفيهم في المذهب من المسلمين ـ يقول : «من صلّى معهم في الصف الأوّل ، كان كمن صلّى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصف الأوّل »(32) .
ـ وعن إسحاق بن عمّار قال : قال لي أبو عبدالله (الصادق) : « يا إسحاق ! أتصلِّي معهم في المسجد ؟ قلت : نعم ، قال : صلّ معهم ، فانّ المصلِّي معهم في الصف الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل الله »(33) .
ـ وعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) يوصي أصحابه، فيقول: «أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ ، ولا تحملوا الناس على أكتافكم ، فتذلّوا ، انّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )ثمّ قال : عودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، واشهدوا لهم ، وعليهم ، وصلّوا معهم في مساجدهم ... »(34) .
2 ـ يكره لجار المسجد أن يؤدِّي صلاته في غير المسجد ، فقد وردت في ذلك نصوص كثيرة ، تؤكِّد هذا المعنى .
فقد روى رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في مسجده»(35) .
وقد فسّر الشيخ أبو جعفر الطوسي (رضي الله عنه) هذا الحديث ومراد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه : «انّه لا صلاة فاضلة كاملة لجار المسجد إلاّ أن يؤدِّيها في مسجده» .
وهذه الحالة بالطّبع إذا كانت فردية عادية ، أمّا إذا تحوّلت إلى حالة سياسية يُراد منها شقّ الجماعة المسلمة وإثارة الفتنة ، فانّ الأمر يتحوّل إلى الحرمة المشدّدة .
3 ـ استحباب الاختلاف إلى المساجد ، وملازمتها : من أكثر المؤسّسات ، التي حضّ الإسلام الحنيف على ملازمتها ، وضرورة العناية بها ، وإعمارها بالعبادة ، والذِّكر لله عزّ وجلّ كانت المساجد ، التي خصّت في الاسلام بأنّها « بيوت الله » و « مساجد الله » ، ومن النصوص المقدّسة التي رسخت هذه الرعاية الخاصّة بالمساجد نذكر :
(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ، وَا لْيَوْمِ ا لاْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ) .
( التّوبة / 18 )
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « مَن كان القرآن حديثه ، والمسجد بيته ، بنى الله له بيتاً في الجنّة »(36) .
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « انّ الله تبارك وتعالى ليريد عذاب أهل الأرض جميعاً حتّى لا يحاشي منهم أحداً ، فإذا نظر إلى الشِيّب ناقلي أقدامهم إلى الصلاة ، والولدان ، يتعلّمون القرآن رحمهم الله ، فأخّر ذلك عنهم »(37) .
وعن عليّ أمير المؤمنـين (عليه السلام) قال : « الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة ، لأنّ الجنّة فيها رضى نفسي ، والجامع فيه رضى ربِّي »(38) .
وعن أبي عبدالله الصـادق (عليه السلام) قال : « ما عُبِد اللهُ بشيء مثل الصّمت ، والمشي إلى بيته »(39) .
4 ـ ضرورة بناء المساجد ، ونشرها في الأرض : ولم يحثّ الإسلام الحنيف على بناء شيء ، والاهتمام بتكثيره ، وإعماره ، كما حثّ على بناء المساجد وإعمارها في الأرض ، أينما حلّ المسلمون ، وتواجدوا :
ـ فعن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) ، عن آبائه ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « انّ الله إذا أراد أن يصيب أهل الأرض بعذاب قال : لولا الّذين يتحابّون فيَّ ، ويعمرون مساجدي ، ويستغفرون بالأسحار ، لولاهم لأنزلت عذابي »(40) .
ـ وعن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين الباقر عليه الصلاة والسلام عن آبائه (عليهم السلام) ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « مَن بنى مسجداً كمحفصِ قطاة بنى الله له بيتاً في الجنّة »(41) .
5 ـ كراهة إنشاد الشعر ، والحديث في أمور الدّنيا والخوض في الباطل في المساجد : أقيمت المساجد لله تعالى ، أماكن لعبادته ، وبيوتاً لذكره ، لا يدعى فيها غيره .
(وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِِ ، فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) . ( الجنّ / 18 )
ومن أجل ذلك ، نهى الإسلام الحنيف عن البيع فيها والشِّراء ، أو إبرام العقود التجارية، كما نهى عن الانشغال فيها بذكر الدّنيا، وشؤونها، ومن ذلك اللّهو ، وإنشاد الشعر البعـيد عن الله عزّ وجلّ ، وذكره ، وتعظيمه :
فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « مَن سـمعتموه ينشد الشعر في المسجد ، فقولوا فضّ الله فاك ، إنّما نصبت المساجد للقرآن »(42) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): « يأتي في آخر الزمان قوم يأتون المساجد، فيقعدون حلقاً ذكرهم الدّنيا ، وحبّ الدّنيا ، لا تجالسوهم ، فليس لله فيهم حاجة »(43) .
وعن أبي ذر الغفّاري (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « يا أبا ذر ! من أجاب داعي الله ، وأحسن عمارة مساجد الله ، كان ثوابه من الله الجنّة ، فقلت : كيف يعمر مساجد الله ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ترفع الأصوات فيها، ولا يخاض فيها بالباطل ، ولا يشترى فيها ، ولا يباع ، واترك اللّغو ما دمت فيها ، فإن لم تفعل ، فلا تلومنّ يوم القيامة إلاّ نفسك»(44) .
6 ـ كراهة النوم في المساجد: ومن ظواهر احترام المساجد، وتعظيمها، كراهة النوم فيها ، فعن زرارة بن أعين قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما تقول في النوم في المساجد؟ فقال: لا بأس به إلاّ في المسجدين ، مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسجد الحرام ، قال : وكان يأخذ بيدي في بعض اللّيل فيتنحّى ناحية ثمّ يجلس فيتحدّث في المسجد الحرام ، فربّما نامَ هو ونمت ، فقلت له في ذلك ، فقال : إنّما يكره أن ينام في المسجد الحرام ، الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأمّا النّوم في هذا الموضع فليس به بأس »(45) .
7 ـ كراهة دخول المساجد لمن أكل الثوم ، والبصل : ومن مظاهر التكريم لبيوت الله تعالى ، حرص الإسلام الحنيف على إبعاد الروائح الكريهة عنها ، ومنها : منع المتعاطين لأكل البصل ، والثوم ، والكراث من دخول المساجد بسبب رائحتها المنفِّرة ، عند الاختلاط بالمصلِّين .
ـ روى محمّد بن مسلم قال : سألت الإمام أبا جعفر الباقر (عليه السلام)عن أكل الثوم فقال : « إنّما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه لريحه ، فقال : مَن أكل هذه البقلة الخبيثة ، فلا يقرب مسجدنا ، فامّا من أكله ولم يأت المسجد فلا بأس »(46) .
ـ وسأل أبو بصـير أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) عن أكل الثوم ، والبصل ، والكراث ، قال : « لا بأس بأكله نياً ، وفي القدور ، ولا بأس بأن يتداوى بالثوم ولكن إذا أكل ذلك ، فلا يخرج إلى المسجد »(47) .
8 ـ اسـتحباب التطيّب ، وارتداء الملابس النظيفة عند التوجّه للمساجد: ومن ظواهر الاهتمام بهيبة المسجد ، ونظافته ، وجلاله : حثّ الإسلام الحنيف عبرَ توجيهاته الموحية الدالّة على ضرورة مسِّ رواده للطيب،والروائح الذكّية، وارتداء المصلِّين للملابس الطاهرة، النظيفة(48)، حتّى أنّ بعض التوجيهات الدينية الأصيلة حضّتْ على أهمّية أن يكون للمصلِّي ثياب خاصّة للمساجد، غير التي يستعملها في عمله ، وشؤونه العادية ..
9 ـ استحباب الاهتمام بنظافة المسجد ، والاعتناء بكنسه :
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « مَن قمّ مسجداً ، كتب الله له عتق رقبة ، ومن أخرج منه ما يقذي عيـناً ، كتب الله عزّ وجلّ له كفلين من رحمته »(49) .
ويلحق بضرورة العناية بنظافة المساجد ، ضرورة الاهتمام بإضاءتها بما يناسب حاجة المصلِّين لذلك(50) .
10 ـ يندب للمصـلِّين دخول المسـجد على طهارة (51) والدُّعاء بالمأثور :
ومن أدعية دخول المساجد المأثورة :
عند الدخول : « أللّهمّ اغفر لي ، وافتح لي أبواب رحمتك » .
وعند الخروج من المسجد : « أللّهمّ اغفر لي ، وافتح لي أبواب فضلك »(52) .
11 ـ ومن آداب الدخول والخروج للمساجد : تقديم الرجل اليمنى عند الدخول وتقديم اليسرى عند الخروج مع الصلاة على محمّد وآله (صلى الله عليه وآله وسلم) (53) .
12 ـ استحباب إلقاء التحيّة للمسجد بصلاة ركعتين عند دخوله : ومن السنن النبويّة في إكرام المساجد أداء ركعتين تحيّة للمسجد ، فقد حدّث الصحابي الجليل أبو ذر الغفّاري (رضي الله عنه) قال : دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو في المسجد جالس ، فقال لي : « يا أبا ذر ! انّ للمسجد تحيّة ، قلت : وما تحيّته ؟ قال : ركعتان تركعهما ... »(54) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com