قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المجتمع المدني
تقديم
قبل الحديث عن المجتمع المدنيّ، وعن موقف الإسلام منه .. وما هو المجتمع الّذي يسعى الإسـلام لبنائه .. ينبغي أن نمهِّد للتعريف بهذا الموضوع . فمصطلح المجتمع المدنيّ بشكله المحدّد ، والدّعوة إلى إقامته نشأت في أوربا في القرن السّابع عشر ، كما يفيد الباحثون والمؤرِّخون لهذا المصطلح .. وبالشكل الّذي يناسب ظروف النشأة وفلسفتها النظرية ، فالمعروف أنّ أوربا كانت تعيش في عصر الظّلام والإضطهاد السياسيّ والفكريّ الّذي تمارسه الكنيسة والإقطاع والنبلاء والملوك والأباطرة.. وكانت المجـتمعات حينها تخضع لإرادة الحاكم المُسـتبدّ ، وإرادته هي القانون في المجتمع والسّلطة في ذلك الحيِّز التأريخي ، لا ينظِّم سلوكهما قانون، وإن وُجِدَ فلا سيادة له ، وهو تعبير عن إرادة الحاكم ، والإنسان خاضِع لإرادة هذا الطّاغوت ، ولا حرِّيّة ولا حقوق إلاّ ما تفضّل بها الحاكم عليه .. وحين بدأت النهضة السياسية والمناداة بحقوق الإنسان في أوربا الّتي كانت تصادرها الكنيسة، وتضع حضراً على الفكر والتفكير، ونشاط الفرد والجماعة ، حينذاك تقدّم روّاد الفكر والنهضة الأوربية الحديثة بنظريّة المجتمع المدنيّ ، ونشأ هذا المصطلح ، فكتب في ذلك هوبز وروسو ولوك وهيغل وماركس ، وآخرون غيرهم من مفكِّري أوربا وروّاد نهضتها الحديثة، كلّ في مرحلته ، ونظّروا لهذا المجتمع . وكان الحديث عن المجتمع المدنيّ قد اختفى بعد قيام الحضارة الأوربية الحديثة ، ثمّ نشط الحديث عنه كما نشط التنظير له وتطوير المفهوم في الحقبة الأخيرة .. وقد تعدّدت الآراء والتعاريف لهذا المصطلح ، وتباينت منذ نشأته ، لا سيّما في اطار المدرسـتين الماركسيّة والرأسماليّة . وجدير ذكره أنّ المسلمين لم تعرف شريعتهم فترة غياب الأسس والمبادئ التي بُنيَ على أساسها المجتمع الانساني بكلِّ عناصره الإنسانيّة السّامية والتي دعا أصحاب فكرة المجتمع المدنيّ إلى بعضها ; مثل سيادة القانون ، واحترام إرادة الإنسان وحقوقه في حقول الفكر والسياسة والإنتاج ، وتحديد دور السّلطة ، وإعطاء الاُمّة (المجتمع) الدّور الكبير في بناء الحياة وصنع القرار السياسيّ ، وإرساء الحياة على أساس التعاون ( المؤسّسـات ) والتّسامح ، وقبول النّقد والرأي الآخر ... إلخ .. وجدير ذكره أيضاً أنّ الاسلام بعقيدته وقوانينه وقيمه الأخلاقية ومفاهيمه عن الحياة المدنيّة يختلف عن الحالة التأريخية التي مارسها حكّام وفقهاء ومتكلِّمون باسم الإسلام ; لذا تجب تبرئة الإسلام من صورة المجتمعات التي مورِسَت فيها الحياة المشوّهة للإسلام ، ونُسِبَت إليه ظُلماً وتزويراً . فهذا القرآن الكريم يُثبِّت الاُسس والمبادئ التي يُبنى عليها المجمتع الانساني ، والتي لم يأتِ دعاة المجتمع المدني وحقوق الإنسان إلاّ ببعض مبادئه بعد اثني عشر قرناً من الزّمان ، نورِدُ بعضاً من تلك الآيات التي سجّلت أسمى المبادئ الانسانية المنظِّمة للمجتمع ، قال تعالى : ( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَريعَة مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ ا لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَليُّ المُتَّقِين ). ( الجاثية / 18 ـ 19 ) (وَإذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّنات قالَ ا لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرَ هذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم ).( يونس / 15 ) (وَمَا أَرْسَلْنا مِن رَسُول إلاَّ لِيُطاعَ بِإذْنِ الله ... ). ( النِّساء / 64 ) (إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أَهْلِها وإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُوا بالعَدْل ). ( النِّساء / 58 ) (ولا تَرْكَنُوا إلى ا لّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار ... ). ( هود / 113 ) (...وَتَعاوَنُوا على البِرِّ والتّقْوى وَلاَتَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوان... ).( المائدة / 2 ) (قُلْ يا أَهْلَ الكِتابِ تَعالَوا إلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُم ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللهَ ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أرْباباً مِن دونِ الله ... ). ( آل عمران / 64 ) (ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهُم بالّتي هِيَ أَحْسَن ... ). ( النحل / 125 ) (يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَر وأُنْثى وَجَعَلْناكُم شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إنّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقاكُم ). ( الحجرات / 13 ) (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُم في البَرِّ والبَحْرِ وَفَضّلْناهُم على كَثير مِمَّن خَلَقْنا تَفْضِيلاً ). ( الإسراء / 70 ) (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِن أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكنوا إلَيْها وَجعَلَ بَيْنَكُم مَوَدّةً وَرَحْمَة ... ). ( الرّوم / 21 ) (وإن جَنحوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ... ). ( الأنفال / 61 ) (فَلْيَعْبدوا رَبَّ هذا البَيْتِ * الّذي أَطْعَمَهُم مِن جُوع وآمَنَهُم مِن خَوْف ). ( قريش / 3 و 4 ) (إنّ لَكَ أَنْ لاَتَجُوعَ فيها وَلاَتَعْرَى * وأنّكَ لاتَظْمَؤُ فيها وَلاَتَضْحَى ).( طه / 118 و 119 ) (وَالّذِينَ في أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * للسّائِلِ والمحْرُوم ).( المعارج / 24 و 25 ) ( ... كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُم ... ). ( الحشر / 7 ) (والأرْضَ وَضَعَها لِلأَنام ... ). ( الرّحمن / 10 ) ففي آفاق هذه الآيات نجد مرجعيّة القانون وسيادة القانون هي الحاكمة في المجتمع القرآني ، عندما يُخاطِب الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأ نّهُ جُعِلَ على شريعة وعليه أن يتّبعها ، ولا يتّبع أهواء الّذين لا يعلمون . ونقرأ الإلزام بعدالة الحكم والسّلطة ، وتحريم الرّكون إلى الظّلم والظّالمين : ( ... وإذا حَكَمْتُم بين النّاسِ أن تَحْكُمُوا بالعَدْل ... ). ( النّساء / 58 ) (ولا تَرْكَنُوا إلى الّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُم النّار ... ). ( هود / 113 ) ونرى الدّعوة إلى بناء المجتمع التعاوني الّذي ينشط فيه دور المؤسّسات والمنظّمات : (وَتَعاوَنوا على البِرِّ والتّقْوى ... ). ( المائدة / 2 ) كما نقرأ فيها قبول الرأي الآخر والدّخول معه في حوار علمي ، والدّعوة إلى المشترك بين الطّرفين : (قُلْ يا أهْلَ الكتابِ تَعالَوا إلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وبَيْنَكم ... ).( آل عمران / 64 ) وكأساس لبناء المجتمع المتكافئ ، يُثبِّت القرآن مبدأ وحدة النوع الإنساني ، والدّعوة إلى التعارف والتآلف الاجتماعي ، وتكريم الإنسان ، والإعتراف له بحقِّ الاحترام ، إذا ما هو حرص على ذلك : (يا أيُّها النّاس إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَر واُنثى وجَعَلْناكُم شُعوباً وقَبائِلَ لتَعارَفوا...). ( الحجرات / 13 ) (ولَقَد كَرّمْنا بني آدَم ... ). ( الإسراء / 70 ) ولكي يتكامل بناء المجـتمع المتكافئ يكرِّس القرآن الدعوة إلى احترام المرأة ، ومنحها الحبّ والرّحمة ، وأن يكون لها من الحقوق مثل الّذي عليها .. (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدّةً وَرَحْمَة ) ، (ولَهُنّ مِثلُ الّذي عَليهِنّ بالمعْرُوف ). ويثبِّت القرآن في هذه الآيات أسس التوزيع الاقتصادي ، وتوفير حقّ الحصول على ما يحتاجه الانسان من مستلزمات العيش الكريم في ظلِّ الأمن والسّلام الاجتماعي : (وفي أموالِهِم حَقٌّ مَعْلُومٌ للسّائِلِ والمحْرُوم ). ( الذاريات / 19 ) ( ... كَي لا يكونَ دُولَةً بينَ الأغْنِياءِ مِنْكُم ... ). ( الحشر / 7 ) فإنّ الأرض قد وضعها الله سبحانه وما فيها للإنسان ، أو لكلِّ مخلوق يسري في جسمه عنصر الحياة ، ويحتاج إلى إدامتها وفق قوانين الله العادلة ، وليس لفئة أو عنصر خاص : (والأرضَ وَضَعَها للأَنام ). ( الرّحمن / 10 ) وهكذا نعرف أنّ الحديث عن المجتمع المدنيّ في عالمنا الاسلامي اليوم ليس هو مشروعاً عصريّاً ، وإن بُذِلَت جهود تنظيريّة لتحديثه وتطويره . كما نعرف أنّ الاسلام يملك من أدوات البناء الاجتماعي ما هو كفيل ببناء مجتمع مدنيّ سليم من أمراض المجتمع المدنيّ الّذي دعا له الكُتّاب الأوربيّون ، ويردِّد صداهم باسم الحداثة والحرِّيّة وحقوق الانسان ، كُتّاب يعيشون حالة ارتباك الرّؤية ، وفقدان المنهجيّة العلميّة في الإبداع أو النّقد والتبنِّي ، ومحاولة الدعوة إلى التغريب ، وتكرار القديم بمصطلحات حديثة . وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ بناء المجتمع المدنيّ هدف إنساني تسعى لتحقيقه فلسفات ونظريّات متعدِّدة ، غير أنّ هذه النظريّات تختلف فيما بينها في تحديد شخصيّة المجتمع المدنيّ وطريقة بنائه ودوره المرسوم ، وسـنعرف ذلك من خلال التعاريف المتفاوتة للمفكِّرين وللأفكار والنظريّات المنادية ببناء المجـتمع المدنيّ . وسـنعرف أنّ للإسلام رأيه ونظريّته .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|