السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المجتمع المدني


2 ـ والأساس الثاني من اُسس بناء المجتمع المدني هو القانون ، فالقانون بما أ نّه التشريع المنظِّم لحقو

ويحوي الفقه الاسلامي ثروة تشريعيّة ضخمة تمدّ المجتمع المدنيّ بما يحتاجه من قوانين تنظِّم سلوك الأفراد وعلاقاتهم المختلفة ، وتنظِّم ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات ، وما يرتبط بالسّلطة والاُسرة والأمن والقضاء وشؤون المال والمؤسّسات والعلاقات الدوليّة ... إلخ . ويشهد لذلك الآلاف من النصوص الفقهيّة والمئات من القواعد الفقهية والاُصوليّة ، بالإضافة إلى ما هو مُستودَع في مصادر التشريع من الكتاب والسنّة ; «لذا ثبتت القاعدة القائلة : (ما مِن واقعة إلاّ ولله فيها حكم) . وهي تتطابق مع قول الإمام الصّادق (عليه السلام) : (ما مِن شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة) »(15).
وعندما تتحدّد البُنية القانونيّة للمجـتمع ، ويشعر كلّ فرد فيه بالأمن على حقوقه وواجباته ، بتحقّق السِّيادة للقانون ، تستقرّ الحياة الاجتماعية ، ويترابط الأفراد فيما بينهم برابطة الاحترام والتعاون ، فيتعايشون في ظلِّ الأمن الاجتماعي الّذي يكفله القانون وتنفِّذه السّلطة ورقابة المجتمع والضمير .. فالقانون الاسلامي يتمتّع بضمانة تنفيذيّة فريدة غير أداة السّلطة والقوّة ، وهي الاحسـاس بوجوب الطّاعة لله ، وبالجزاء الاُخروي :
(وَأُزلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتّقِينَ غَيْرَ بَعِيد * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّاب حَفِيظ * مَنْ خَشِيَ الرّحمنَ بالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْب مُنِيب ). ( ق / 31 ـ 33 )
ولأحكام القانون الاسلامي كما تفيد دراسات علم اُصول الفقه (ملاك) . وهو ما يتقوّم به النصّ القانونيّ ، أو (الحكم) ، من جلبِ للمصلحة أو درء للمفسدة . وهي في جانبها المدنيّ أو (في تنظيمها للمجتمع) تقوم على أساس الحقّ والعدل الاجتماعي ، بالإضافة إلى موجب جعلها التشريعيّ (جلب المصلحة ودرء المفسدة) .
ولا يستطيع القانون أن يؤدِّي دوره المدنيّ إلاّ إذا قام على اُسس ثلاثة هي :
أ ـ العلميّة : ومعنى العلميّة هو أن يقوم القانون على اُسس علميّة . أي أن يكون جعله وتشريعه صادراً عن العلم بموضوعات الحكم ومتعلّقاته ..
ونشير هنا أنّ مصدر التشريع الاسلامي ، هو الله سبحانه ، العالِم بما خلق ; لذا فانّ القـانون الاسلامي يقوم على أساس العلم الواقعيّ والتشخيص الواقعيّ للقضايا التي ينظِّمها القانون . وممّا يؤيِّد هذه الحقيقة أنّ النتائج العلميّة للبحوث والدراسات النفسيّة والطِّبِّيّة والإجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها ، تتطابق مع ما شرّعه الاسلام . فأثبتت ضرر ما حرّمه الاسلام وفائدة ما أباحه أو أوجبه . ومن الأمثلة على ذلك تحريم الاسلام للخمر والمخدِّرات وممارسـات الزِّنا والشّذوذ الجنسي ، ودعوته إلى بناء الاُسرة وتحريمه للإحتكار والرِّبا وأكل الميتة ... إلخ .
ب ـ المرونة والإستيعاب : والعنصر الثاني الّذي يجب توفّره في القانون الّذي ينظِّم المجتمع المدنيّ ويقوده : هو الانفتاح والمرونة التشريعيّة ، واستيعاب حركة التطوّر والتحوّلات في المجتمع .
وهذا العنصر التشريعي متوفِّر في التشريع الاسلامي بشكله الرّحب المتّسع ، فالتشريع الاسلامي يُقسّم بطبيعته إلى قسمين : أحكام جزئيّة محدّدة الانطباق وأحكام وقواعد كلِّيّة بنصوصها أو ملاكهاتها وعللها ومفاهيمها التشريعية تسري على ما لا يحصى من الوقائع ، أي أنّ طبيعة الأوّل عموميّة ، وطبيعة الثانية جزئيّة منحصرة في موضوع خارجي مُحدّد .
والعنصر الآخر من عناصر المرونة والاسـتيعاب ، هو عنصر الاجتهاد والاستنباط من مصادر التشريع ، فعمليّة الاجتهاد التي هي عبارة عن عمل علمي يقوم باستخراج الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيلية يتحمّل مسؤوليّة حلّ إشكاليّة الفراغ التشريعي المستجد ، كما يتحمّل مسؤوليّة تجديد الأبحاث والنظريّات الاستنباطية الأكثر تطوّراً وقدرة على الأخذ من خزين التشريع الاسلامي أو على ضوئه .
ج ـ سيادة القانون : ممّا امتاز به القانون الاسلامي والفكر القانوني في الاسلام هو سموّ القانون فوق الأفراد والهيئات والمؤسّسات والسلطة والدولة ، فالقانون حاكم على هؤلاء بصـفتهم أشـخاصاً قانونيِّين أو طبيعيِّين . فالكلّ يشعر أنّ العمل بالقانون الاسلامي هو عبادة وطاعة لله ولا يجوز الخروج أو التمرّد على إرادته ، إرادة الحق والعدل .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com