اسم الكتاب: المجتمع المدني
المجتمع المدنيّ في ظلِّ الاسلام
تفيد الدراسات والأبحاث العلميّة والملاحظة الميدانيّة، والإحساس الوجدانيّ أنّ الحالة الاجتماعية غريزة متأصِّلة في ذات الانسان ، فكما هو فرد يشعر بالأنا المستقلّة ، كذلك تشدّه غريزة الاجتماع إلى العيش مع الجماعة ، وتكوين الحياة الاجتماعية .. فالفرد خُلِقَ ليعيش ضمن حياة جماعيّة ، وذلك لأنّ الأفراد المتكاثرين لا يمكن أن يعيشوا في إطار منظومة اجتماعية موحّدة .. تدفع الانسان إلى تلك الضرورة الدوافع الغريزية ، كما يدفعه إلى ذلك الاحساس بالحاجة إلى الجماعة وتبادل المنافع .. ولقد تكوّنت حياة الانسان الفكريّة والحضارية والمدنيّة في ظلِّ المجتمع وفي إطار الجماعة، لأنّ ما لدى الانسان من حضارة وموجودات وعلوم وتقنيّة بشريّة هي نتاج التكامل بين الجهود والطّاقات والامكانات والخبرات والعقول البشريّة عبر تأريخ وجودها . أي هي نتاج مبدأين أساسين ، كما يوضِّح القرآن ، هما : 1 ـ مبدأ التعاون ، 2 ـ مبدأ التسخير (16). ففي مبدأ التعـاون يبرز الاحساس بالوعي الاجتماعي ، كما يبرز العنصر الأخلاقي في مجاله الاجتماعي ، الّذي قد يعطي فيه الفرد ولا يأخذ ، أو قد يعطي ويأخذ ، فليس المنظور في التعاون حجم الرِّبح الشخصي، بل المنظور فيه صنع موضوع نافع وبنّاء عن طريق التعاون، قد يشعر البعض فيه بالخسارة ، ولكن هذه الخسارة معوّضة تعويضاً .. ويشكِّل الايمان بالآخرة والجزاء الاُخروي المحفِّز الأكبر في سلوك الانسان المؤمن ، فهو ينفق ماله ويضحِّي بنفسه وراحته من أجل أن يكسب مرضاة الله سبحانه ، حسب الفهم الإيماني .. فالتعويض المادِّي يتلقّاه الفرد من المجتمع في هذه الحالة بطريقة غير مباشرة ، أي من غير عوض مباشر على جهده التعاوني الخاص بالموضوع المتعاوَن عليه، بل يتلقّاه من مواقع اُخرى من خلال وجوده الاجتماعي . فالمجتمع كما يأخذ منه بهذه اليد يعطيه بيد اُخرى . فهو يتلقّى من المجتمع الأمن والتربية والرّعاية وتوفير الخدمات التّي لم يبذل جهداً مباشراً فيها . فقد ولد في مجتمع مكتمل البناء : الطّرق والجسور والسدود والمدارس والأسواق والمغروسات والحيوانات والمصانع والمستشفيات وأرصدة الدولة ووسائل النّقل والعلوم والمعارف ... إلخ .. وكلّها جهود الآخرين لم يُشارك هو في تأسيسها ، بل ولدت قبله ، فوجد نفسه منتفعاً بها ووارثاً لها .. وما أصدق الحكمة القائلة : «زرعوا فأكلنا ، ونزرع فيأكلون» . وكم هو دقيق تصوير الشاعر العربي لتبادل المنافع حين قال : الناس من بَدو ومن حَضر بعـ***ـض لبعض وإن لم يشعروا خدم فالبناء الاجتماعي في حقيقته عبارة عن منظومة من العلاقات والمنافع المتبادلة .. قد تجسّد الكثير منها في مشاريع ومؤسّسـات اجتماعية كالاُسرة والسّوق والسّدود والمدارس والمحاكم والمستشفيات والبرلمان والحزب والسّلطة والقانون والجمعيّة والشركة والمصنع ... إلخ . لذا نجد القرآن يدعو إلى التعاون بقوله : (...وَتَعاوَنُوا على البِرِّ والتّقْوى وَلاَتَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوان... ).( المائدة / 2 ) ويشرح مبدأ التسخير بقوله : ( ... وَرَفَعْـنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّا ... ). ( الزّخرف / 32 ) ليوفِّر الوعي المدني والاجتماعي للإنسان ، فيفهم أنّ الحياة الجماعيّة حياة تكامليّة ، وأنّ اللِّياقات والقابليّات والجهود مختلفة .. وهي عندما تتفاعل وتتبادل يحصل التكامل . فالحياة الاجتماعيّة والشكل المدني المتحضِّر للمجتمع هو عبارة عن وحدة متكاملة من الجهود والمواقف السلوكيّة ، يختار الانسان آليّات التنفيذ المناسِبة للظّروف والإمكان والمرحلة ومستوى الحياة الاجتماعيّة التي يحياها الانسان .
|
|