السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المجتمع المدني


الآليّات والمبادئ

وينبغي أن نوضِّح أنّ منهج بناء الفرد والاُسرة والمجتمع والدولة يقوم على عنصرين أساسين هما :
1 ـ القيم والمبادئ : والمتكوِّنة من العقيدة القرآنية والقانون والأخلاق العمليّة ، وما استبطنت العبادات من آثار سلوكيّة في عالم الانسان . كدور الصّلاة في تقويم سلوك الانسان الّذي عبّر عنه القرآن بقوله : (إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) . وكآثار الصّوم في التربية الاجتماعية وتهذيب المشاعر الانسانيّة .
2 ـ آليّات تنفيذ القانون والسّلوكيّة التي تدعو إليها العقيدة والأخلاق والعبادات ... إلخ . وكما هو واضح فإنّ الآليّات والأساليب والوسائل الّتي ينفِّذ بها الانسان السلوكية المطلوبة في شتّى مجالاته ، الحقوقيّة والقضائيّة والسياسيّة والأمنيّة والثقافيّة والفكريّة والاقتصاديّة والخدميّة ... إلخ ، متطوِّرة ومتجدِّدة ـ حسب ظروف الانسان العلمية والتقنيّة ومستوى وعيه الحضاري والثقافي .. والاسلام يريد تحقيق المبادئ ، أمّا الآليّة واُسلوب التنفيذ ، فالإنسان هو الّذي يختار الآليّة والاسلوب المناسبين، شريطة أن لايدخل فيها مبدأ الغاية تُبرِّر الواسطة، فالواسطة والآليّة فعل وسلوك إنسانيّ يخضع بدوره للقيم والقانون .
وهكذا نجد المجتمع الّذي يريد الاسلام بناءه تثبت فيه القيم والمبادئ ، وتتغيّر الآليّات والأساليب . ولنضرب لذلك عدداً من الأمثلة :
دعا الاسلام إلى الشورى واحترام رأي الاُمّة . وأوجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، ولم يحدِّد آليّة معيّنة للتنفيذ ، بل ترك ذلك للمكلّف نفسه . وللمجتمع أن يختار المؤسّسات المناسبة للشّورى التي تُشارك من خلالها الاُمّة السّلطة في الرّأي وتمارس عمليّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في مجالها السياسي . فتؤسِّس (البرلمانات) كمؤسّسة سياسية لها صلاحيّات إبداء الرأي والنّقد والمشاركة في رسم السياسة العامّة للدولة والمحاسبة على أساس مبدأي الشورى والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والمسؤولية التضامنية العامّة التي صرّح بها الكتاب والسنّة المطهّرة ، قال تعالى :
( ... وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم ... ). ( الشّورى / 38 )
(والمُؤْمِنُون والمُؤْمِـنات بَعْـضُهُم أوْلياءُ بَعْض يأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ المُنْكَر ... ). ( التّوبة / 71 )
ورُوي عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله :
«أفضلُ الجهاد كلمةُ حَقٍّ عندَ سُلطان جائِر» .
«كُلّكم راع وكُلّكُم مَسْؤُولٌ عَن رَعِيَّتِه» .
ومن المبادئ الأساسيّة في التشريع الاسلامي ، إعطاء الاُمّة دوراً واسعاً في تنفيذ المبادئ والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي ، ولم يحدِّد آليّة محدّدة للتنفيذ ، فاختار المسلمون لتنفيذ ذلك مشروع اُسلوب الحسبة .. ومشروع الحسبة هو مؤسّسة اجتماعية شعبيّة تقوم بجانب من مهام الدولة ; كمراقبة الأسواق من حيث الأسعار والموازين وأخلاق السّوق والنظافة ، كما لها أن تُراقِب سلوك موظّفي الدولة . منطلقة من مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.. وبعد تطوّر ظروف المرحلة ، ينبغي أن يطوِّر نظام الحسبة كمؤسّسة مدنيّة ، تؤدِّي جانباً كبيراً من مهام الدولة ، وتعمل على تنفيذ المبادئ .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com