اسم الكتاب: المجتمع المدني
المجتمع المدني في ظلِّ المفهوم الاسلامي
بعد أن اتّضحت لنا التعاريف المتعدِّدة والمختلفة ، بل والمتناقضة أحياناً للمجتمع المدنيّ في المفهوم المادِّيّ .. نعود هنا فنوضِّح أنّ هناك مسألتين أساستين في هذا المجال ، ينبغي أن نعرِّف بهما : 1 ـ مسألة الإسم والمصطلح . 2 ـ الاُسس والمبادئ والمفاهيم التي يُبنى عليها هذا المجتمع .. ودراسة نشوء المصطلح والمفهوم الّذي اُسـتُفيدَ منه تدلّنا على أنّ هذا المصطلح ولدت أوليّات تسميته على يد الفلاسفة اليونانيين عندما بدأت المناداة بمجتمع المدينة ; ليكون البديل لمجتمع البداوة والقرية والعشيرة .. فهو في تلك الفلسفة يعني المجتمع الّذي ينظِّمه القانون ، وله سلطة ، وتُقسّم فيه الأعمال والمسؤوليّات ، وهو مجتمع متحضِّر يسير وفق نظريّة فلسفيّة . وفي العصر الأوربي جاء مفهوم المصطلح المدنيّ كمرادف لمفهوم المجتمع السياسي منطلِقاً هذا المفهوم من فلسفة تحليل المجتمع ونشأة الدولة .. فقد رأت هذه النظرية التي لم تستطع أن تصمد أمام النّقد الموجّه إليها .. رأت أنّ الانسان كان يعيش حياة الفطرة والغريزة في المجتمع البدائي الأوّل في مجتمع طبيعي تنظِّمه قوانين الطبيعة ، وهو قائم على أساس الحرِّيّة ، من غير أن تكون هناك دولة تنظِّم نشاطه أو قانون يضعه الانسان . فهو مجتمع حرّ يسير وفق قوانين الطّبيعة .. كما تسير حياة الطّيور والحيوانات . وعن طريق العقد بين أفراده ولدت الدولة للحفاظ على حالة الحرِّيّة الطّبيعيّة والحقوق الطّبيعيّة ، وتخليص الانسان من حالة العدوان التي أخذت تهدِّد الحرِّيّة وحالة الطبيعة .. ومع ولادة الدولة ولد المجتمع السياسي الّذي تديره الدولة ، وولدت القوانين السياسية .. وهكذا انتقل الانسان من المجتمع الطّبيعيّ إلى المجتمع السياسيّ ـ وفق هذه النظريّة ـ . وهذا يعني أنّ الدولة والمجتمع السياسي (المدنيّ) ولدا نتيجة العقد بين أفراد الجماعة . لذا فانّ تدخّل الكنيسة والدِّين في السّلطة وحياة المجتمع هو مصادرة لحرِّيّة الانسان وحقوقه الطّبيعيّة التي تمّ التعاقد على الحفاظ عليها في المجتمع السياسيّ أو المدنيّ .. وإذاً فالمجتمع المدنيّ هو المجتمع الّذي يفصل فيه الدِّين عن السِّياسة، ويقوم على أساس نظريّة العقد الاجتماعي في حياته السِّياسيّة وفق الفهم الأوربي للمجتمع والدولة.وعلى أساس هذه النظريّة بُني المجتمع البرجوازي الأوربي،ومن ثمّ المجتمع الرأسمالي.. وإلى جانب هذا الفهم كان هناك الفهم الديالكتيكي للمجتمع المدنيّ الّذي نادى به هيجل ، والّذي أعطى الدولة دوراً كبيراً في حياة المجتمع المدنيّ وفق نظريّة مثاليّة . أمّا ماركس فكانت له فلسفته لبناء المجـتمع المدنيّ ، وتقـوم على أساس هدم الدولة والاُسرة والمُلكيّة الخاصّة والدِّين ، وبناء المجتمع المشـاعي الّذي لا دين فيه ولا دولة ولا اُسرة ولا ملكيّة ، كما كان المجتمع البدائي الأوّل ، ولكنّه حسب رأيه مجتمع علميّ ينظِّمه العلم . كما كانت هناك نظريّات ماركسيّة تعديليّة ; كنظريّة غرامش الماركسي الإيطالي وغيره لهذه النظريّة . وإذاً فمصطلح(مجتمع مدنيّ)هو اسم لمجتمع تختلف قيمه وفلسفته ونظريّة بنائه من فلسفة إلى اُخرى. وهكذا اُطلِقَ إسم مصطلح مدنيّ كمساوي لمصطلح مجتمع سياسي، وهو مقابل للمجتمع الطبيعيّ .. ثمّ استعمل كاسم مجتمع لا دور للدِّين فيه .. متصوِّرين أنّ هناك قوانين دينيّة واُخرى مدنيّة ، وأنّ القوانين الدينيّة (الكنسيّة) لا تتّفق والحياة المدنيّة ; لذا يجب التخلّص منها ، وتشريع قانون مدنيّ لمجتمع مدنيّ .. والفهم ، كما نرى ، منتزع من فهم الدِّين من خلال الكنيسة الّذي كان يعني التخلّف والخرافة ومحاربة العقل والعلم .. وفرض سلطة سياسيّة كنسيّة تدّعي تمثيلها لله في الأرض .. ونتج عن ذلك أن صودِرَت حرِّيّة الانسان ودوره في صنع قراره السياسي ، وأصبحت سلطة البابا والملكيّات المطلقة فوق إرادة القانون والشّعب . ويهمّنا أن ندرس هنا الفهم الاسلامي لبناء المجتمع المدنيّ . وتوضيح القيم والمبادئ التي يُبنى على أساسها المجتمع في الاسلام .
|
|