السرة ومجتمع

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المجتمع المدني


1 ـ إصدار القوانين والتعليمات اللّازمة لحفظ المصالح ولتنفيذ الأحكام الشّرعيّة ، كقوانين المرور والب

وقد بحث الفقهاء هذه الصلاحيّات التشريعيّة مُعتمدين على أنّ ما صدر عن الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحكام يقسم إلى قسمين : قسماً منها صدر عنه باعتباره مُبلِّغاً عن الله سبحانه ، وقسماً منها باعتباره وليّ أمر وحاكم للمسلمين ، يرعى مصالحهم ، ويضعها وفق الظّروف والأوضاع الاجتماعية القائمة آنذاك .
وتلك الصّلاحيّات هي صلاحيّات للحاكم بما هو حاكم وليست خاصّة بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .. كتدخّل الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في قسمة الماء بين المزارعين وأمره المحتكرين أن يعرضوا الطّعام للبيع ..
روى الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ بالمحتكرين ، فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق، وحيث تنظر الأبصار إليها...»(21).
ويكشف النصّ الفقهي الآتي عن هذا اللّون من الأحكام ، قال الشيخ المفيد : «وللسّلطان أن يُكرِه المحتكر على إخراج غلّته ، وبيعها في أسواق المسلمين إذا كانت بالنّاس حاجة ظاهرة إليها، وله أن يُسعِّرها على ما يراه من المصلحة ، ولايُسعِّرها بما يخسر أربابها فيها»(22).
وفي دراسات علم اُصول الفقه نجد هذه الأبحاث واضحة معمّقة ، وهي وإن بُحِثَت في علم اُصول الفقه كدراسات اُصوليّة ، إلّا أنّ مورد تطبيقها هي حقل السّلطة والسياسة في مجالها العام ، فهي من اختصاص السّلطة بصورة أساسيّة ، فقد بحثوا هذا الجانب التشريعيّ تحت عناوين مختلفة كلّ حسب مدرسته الاُصوليّة ، فبُحِثَت تحت عناوين سدّ الذّرائع وفتحها ، والمصالح المُرسَلة ، ومقدّمات الحكم ، والحكم الثانوي ، والمقاصد ، كما سـمّاها بعض الفقهاء المتأخِّرين بمنطقة الفراغ التشريعيّ (كما يُسمِّيها الفقيه الشّهيد السيِّد محمّد باقر الصّدر) .. وإن ملأها من اختصاص السّلطة الشّرعيّة .
وفي كلّ الأحوال،فأنّ ما تصدره السّلطة الشّرعيّة من أحكام وقوانين وتعليمات ومراسم لحفظ المصالح،أو تنفيذ القوانين،يجب أن يكون مستفادة من اُصول الشّريعة أو متوافقة معها .
كثيراً ما تحدث ظروف وأوضاع اقتصادية وأمنية يكون معها المُباح واجباً ، أو حراماً .. فتقدّر الدّولة تلك المصالح والمضار وتصدر الأحكام اللّازمة لحفظ المصلحة الطارئة أو درء المفسدة .. ومثال ذلك : أباحت الشريعة الاسلاميّة التجارة الداخليّة والخارجيّة وصرف العملات بالعنوان الأوّلي .. غير أنّ ظروفاً اقتصاديّة وماليّة تطرأ فتكون تلك الممارسات المُباحة ضارّة باقتصاد الاُمّة ومركز عُملتها المالي ، فتصير مُحرّمة ما زال الضّرر قائماً ..
وعندما تشخِّص الدّولة ضرر تلك الأعمال المُباحة ، عليها أن تقوم بإصدار أوامر وتعليمات تمنع فيها كلّ ما مِن شأنه أن يجلب مثل هذا الضّرر ; مثل إخراج الذّهب أو العملات الصّعبة ، أو استيراد أو تصدير ذلك النوع من السِّلع لحفظ مصلحة الاُمّة ، عملاً بالحديث النبويّ الشّريف : «لا ضرر ولا ضِرار» .
والحُرمة لا تتوقّف على تشخيص الدّولة وإصدار قوانين المنع ، بل تثبت على كلّ من يتشخّص له هذا الضّرر . غير أنّ الدّولة باعتبارها مسؤولة عن حفظ مصالح الاُمّة تُصدِر قوانين المنع وتُعاقِب الفاعل ، ويزول المنع بزوال موجباته ..
ومن صلاحيّات الدّولة الاسلاميّة في هذا المجال هي صلاحيّة الإلزام بما هو مُباح ..
من أمثلة ذلك المحافظة على الأمن الغذائي..فقد تدعو المصلحة إلى إلزام المزارعين بزراعة القمح والرّز مثلاً بدلاً من زراعة بعض المحاصيل لتوفير الغذاء..ويكون هذا القرار مُلزَماً ما زالت المصلحة قائمة،في حين لا إلزام في أصل الشّريعة بزراعة هذه المحاصيل ..
وقد بحث علماء اُصول الفقه الاُصول الاستنباطية لمثل هذه المسائل التشريعية تحت عنوان (الحكم الأوّلي والحكم الثانوي) ..
وعرّفوا الحكم الأوّلي بأ نّه : «ويُراد به الحكم المجعول للشيء أوّلاً وبالذّات ، أي بلحاظ ما يطرأ عليه من العوارض ...»(23).
وعرّفوا الحكم الثانوي بأ نّه : «وقد اُريد به ما يُجعل للشيء من الأحكام بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصّة تقتضي تغيير حكمه الأوّلي ، فشُرب الماء مثلاً مُباح بعنوانه الأوّلي ، ولكنّه بعنوان إنقاذ الحياة يكون واجباً ، والصِّناعات التي يتوقّف عليها نظام الحياة واجبة على نحو الكفاية ، ولكنّها مع الانحصار بشخص أو فئة خاصّة تكون واجباً عينيّاً ، إن صحّ أنّ الوجوبين مختلفان بالنسخ ، وهكذا ...
وما أكثر الأحكام الأوّليّة التي يتبدّل واقعها لطروء عناوين ثانويّة عليها . فالواجب ربّما تحوّل إلى حرام ، والحرام إلى مُباح ، والمُباح إلى مُسـتحبّ ، وهكذا . ومن هنا تتّضح لنا مرونة الأحـكام الإسـلامية وتمشِّيها مع الظّروف والأحوال»(24) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com