اسم الكتاب: عباد الرّحمن
مَنْ هُم عبادُ الرّحمن ؟
القرآن عندما يتحدّث عن حقيقة ، والوحي عندما يستعرض فكرة، يحاول أن يرسم للقارئ صورة ، ويجسِّد له مشهداً ، ويضع بين يديه وضوحاً وبياناً باُسلوب خَصِب ، وعرض مؤثِّر ، وتقصٍّ متقن وبعبارة وجيزة ، وطريقة رائعة تملأ المشهد حيويّة ، وتفيض على أبعاد الموقف جلالاً وروعةً ، إلى درجة يحسّ معها المتـلقِّي بالإندماج مع الفكرة ، ويستشعر المتعامِل معها بالاتحاد والتفاعل مع الصورة ، فتعيش أفكاره مع القرآن ، ويمتد وعيه مع آفاق الوحي ، دون أن يشعر بالانفصام ، أو يحسّ بالفجوة والبُعْد بين الصورة والحقيقة الّتي يتعامل معها . والقرآن في مقطوعته الوصفية الرائعة لعباد الرّحمن ، قد عالج الموقف بهذه الطريقة ، وعرض المشهد على هذه الشاكلة ، فهو عندما تحدّث عن عباد الرّحمن ، عرضهم نموذجاً حركيّاً للانسان ، تُجلِّلهم صِفَة العُبّاد وتميِّزهم صِبْغَة الإيمان . وقد أحاطهم بالعناية والنسبة إلى الرّحمن ، فهم عباد مُصْطَفون من خليط البشرية ، ومختارون من بين الجموع للانتماء إلى هذا المجد العظيم (عباد الرّحمن) ، وللانضواء تحت لواء هذا الشرف الرفيع (صفة الرّحمة) . ولذا تحدّث عنهم وهم يظهرون بخطِّ ريشـته ، صفوة متمـيِّزة عن غيرها في حركة الحياة الزاخرة بالصراع والمتناقضات ، والمليئة بمختلف الاتجاهات والعبوديات، والموسومة بشتّى مياسم الانتساب والانتماءات. وهو عندما تحدّث عن اُولئك اختار لهم انتماءً عَزّ مَنْ يحظى به ، ونسبة قلّ مَنْ يتسامى إلى الانضـواء تحت لوائها وهي (العبـوديّة للرّحمن) . والمتأمِّل في القرآن يعرف أنّ القرآن لم يستعمل ألفاظه جزافاً ، ولم يطرحها حشواً ، بل لكلِّ اختيار من الألفاظ عنده غاية ، ولكل كلمة في عرفه معنىً ، ولكلّ اُسلوب في عرضه هدف . والقرآن عندما نسب هذه الصفوة إلى اسم معيّن من أسماء الله (الرّحمن) ، إنّما قصد العلاقة المناسبة بين الرّحمن وبين المنتسبين إليه ، فحقّ أن يسحب هذا الوصف عليهم ، ويغدق هذا الشرف على انتمائهم ، لذا فهو لم يصفهم بعباد الجبّار ، ولم يطلق عليهم اسم عباد القاهر ، ولم ينسبهم إلى باقي الأسماء المقدّسة ، بل جاء اختياره لهذه النسبة ، وتحديده لهذا الانتماء بقصد تشخيص الرابطة الّتي تكمن بين التسمية والانتساب . والمتعامل مع ألفاظ القرآن يدرك أنّ القرآن عندما ينسب إلى اسم من أسماء الله ، أو عندما يعقِّب بذكر صفة من صفاته المقدّسة ، انّما يستعمل ذلك اللّفظ ـ الصفة أو الإسم ـ ليفسِّر به العلاقة بين الخلق وخالقه ، ويوضِّح الرابطة بين الصفات المقدّسة في موضع الورود وبين متعلّقاتها . فأسماء الله تعالى هي وسائط بين الله وخلقه ، وارتباط الوجود بهذه الأسماء والصفات ليس ارتباطاً تصوّرياً مجرّداً ، وتعبير القرآن عن هذه الحقيقة ليس صياغة أدبيّة لِتحسـين الاُسـلوب ، أو وسيلة لِعَـرْض الفكرة ، مجرّدة عن علاقة حقّة بين الصفة والموصوف بها ، بل يستهدف القرآن في كلّ ذلك تشخيص الحقيقة والتعبير عن العلاقة . فهو يقصد من ضمّ هذه الصفوة تحت صفة الرّحمة ، ونسبتها إلى هذه الصفة الإيحاء لها بالأمن والسلام ، وتأكيد وقايتها من طائلة الغضب والجبروت الّتي يتعامل بها الله سبحانه مع العُصاة والمجرمين . وهم ما استحقّوا هذا الإنضواء إلاّ بعد أن أشرقت في نفوسهم أنوار الرّحمة ، وامتدّت في آفاقهم ظلال الهدى ، فصاروا عباداً رحمانيين ، متجاوبين مع هذه الصفة ، يتعاملون مع الخلق باُسلوب الرّحمة ، وينسابون على الأرضِ بِخُطى الودِّ والسّلام . عرفوا أنفسهم ، وأدركوا خالقهم ، فخلعوا له رِداءَ الكبرياء ، وتواضعوا بين يديه بهوان وتصاغر ، فلا عالَم الأشياء المتلاطم ـ بصوره وأحداثه ـ يملأ قلوبهم ، ولا ضجيج الحياة وزُخرف الدُّنيا يزرع الكبرياء في نفوسهم . كيف وقد انفتحت آفاقهم على ذلك العالم القدسي !! فأطلّت عليه أرواحهم ، حتّى صاروا هم والدُّنيا كزائر مودِّع ، وهم والآخرة كقاصد يرجو الوصول .
|
|