قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  عباد الرّحمن


مبيت عباد الرّحمن

أمّا النوم فقد غرقت أطيافه في بحر هذا الحبّ السرمدي ، فلم تعد ترسو على مرفأ الأجفان ، فباتوا في محراب الحبّ سجّداً وقياماً :
(وَا لَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ) .
يستمتعون بلذيذ المناجاة ، ويتذوقون طعم القرب الّذي حُرِمَ منه المحجوبون عن عالم القدس ، المغلّفون بدِثار العوالم الكثيف ، الّذي كدّر صفو الروح فيهم ، وشوّه جمال السعادة عندهم ، فعاشوا متاهات البُعْد عن الحقيقة الّتي يسعى الوجود نحوها ، وقاسوا آلام المعاناة في البحث عبثاً عن غيرها .
إنّها الحقيقة الكبرى الّتي يبحث الانسان عنها .
إنّها سرّ السعادة الفطري الّذي انطوى عليه ضميره .
إنّها الغاية الكبرى الّتي يبحث عنها ، كلّما أطلّ على حقيقة وهو يهيم في عوالم البُعْد والتيه النائية .
إنّه الحقّ الّذي أفاض على العوالم حرارة الشوق إليه ، وزرع في أعماقها بذرة الاتّجـاه نحـوه ، فكلّ معبود ـ سواه ـ منحه الآخرون وجهتهم ، أو اتّجهوا إليه بحبِّهم فهو صنم متحجِّر في هياكل الفناء .
وعباد الرّحمن هم اُولئك العباد العارفون الّذين تفحّصوا العالَم فلم يروا فيه الحقيقة والغاية ، بل بدا لهم كتاباً مفتوحاً يتحدّث عن عالَم الحقيقة ، ورسالة صامتة تنطوي صفحاتها على كلّ رمز معبِّر وحرف مُوح بأنوار ذاك العالَم المحجوب ..
ذلك العالَم الّذي يفيض على النفوس سعادة القُرْب والحضـور ، فيتجلّى لكل روح تشرق فيها أنوار ذاك الجمال القدسي ، الّذي يوحي به كتاب الوجود بصمته الناطق ، ويتحدّث عنه بنطقه الصامت ، الّذي ألفوه لغةً وحواراً .
فكلّ ظاهرة في عالمهم الصامت هي كلمة في كتاب الكون الكبير ، تنطق بلسان الحقيقة ، وتشرح للقارِئ العارِف فكرة ، أو تحمل لعقله المتأمِّل معنى .
وهم حينما يتأمّلون في كل حرف على صفحات هذا السفر العظيم ، إنّما يبحثون عن عالِم خطَّ سطور هذا الكتاب ، ومُبْدِع صاغَ عبارات هذه الرِّسالة ، فليس ما فيه من سطور ورموز هو الّذي يشغل بالهم ، أو يستهوي نفوسهم ، أو يستوقف مسيرتهم ، بل هم عشّاق يبحثون عن يد خطّت رسالة هذا الكتاب العظيم ، وهم روح توّاق يستشف أبعاد هذا الهيكل المنتصب حجاباً .
فجمال العالَم وجلاله عندهم محراب عبادة ، وليس معبوداً يؤلِّهونه ، كما يفعل غيرهم من السذّج المخدوعين ، فهم كلّما اكتشفوا من عوالمه رمزاً ، أو صادفوا في تآلفه جمالاً ، ازدادوا من عوالم النور قرباً ، وامتلأوا لجمال ذاك الوجود شوقاً .
اُولئك عباد يبيتون لربِّهم سجّداً وقياماً ، إنّهم يعيشون تجربة الحبّ الإلهي الفريدة في عالم الانسان ، فهم قد اختاروا العيش بأرواحهم مع الطائفين في مسارب النور حول عالَم القدس ، فساروا في مسالك الشوق نحو عالم القرب ، ليردّدوا وهم في عالَم البُعْد زجل الملائكة القدِّيسـين اُنشودة الوصل والتقديس :
سبّوح قدّوس .
سبحان ربّنا الأعلى .
لم يكن له كفواً أحدٌ .
لَهُ الحمدُ .
إهدنا الصراط المستقيم .
صِل بيننا وبينك بطريق يؤدِّي إليك ، فلا نُخطئ المسير ، فتضلّ الرحلة ، وتتيه السفينة ، وينقطع الوصل ، ونفقد المعبود الحبيب .
نحن سائرون إليك في رحلة الروح ، على بحار النور ، نستهدي بومضات الإشراق الوافدة على قلوب السائرين إليك في مسيرة الشوق والبحث البعيدة .
إنّا نخاف ضياعَ السفينة وتيهَ الرَّبّان ، وتلاطمَ أمواج الخطر ، ونخشى مـعاناةَ الضّلال ، ونيرانَ البُعْد فنظلّ نبحث دونما جدوى عن شاطئ السّلام ، في بحار التَيهِ والعذاب :
(وَا لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com