قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  عباد الرّحمن


إنفاق عباد الرّحمن

اُولئك عباد الرّحمن :
(وَا لَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) .
وعباد الرّحمنِ الّذين وعوا معنى الوجود ، وعرفوا قيمة الأشياء في هذا العالَم ، لم يكن دأبهم التعامل معها إلاّ بصيغتها الكونيّة المحسوبة ، اتساقاً مع قانون الطبيعة وانسجاماً مع نظام السلام في الحياة ، فكلّ شيء عندهم بمقدار ، وكل شيء ـ بمفهومهم ـ له في الوجود موضع وغاية ، فهم إذا ما تعاملوا مع ما في الحياة من خيرات وثروات ونعم وموجودات ، لم يتعاملوا معها إلاّ وفق هذا المفهوم والتقويم الواعي للأشياء ، فكلُّ شيء في عُرفهم يجب أن يحتلّ موقعه ويؤدِّي دوره في عالَم الوجود ، فلا يجوز حبسه أو منعه عن أن يُستعمل في موضعه المحدّد له ; لأ نّهم يعلمون أنّ الشّحّ والبُخْل يمنع النفس من التطابق مع مبادئ الخير في الحياة ، وهم يعلمون أنّ الشّحّ مرض تُصاب به النفوس التافهة الضعيفة الّتي تتصوّر أهميّتها وقيمتها في جمع المال وتكديس الثروة ، فهم يرون الجَشِع اللّئيم هو المغرور ببريق المال والثروة ، وهو المخدوع بحبِّها وجمعها ، ليرضي في نفسه نزعة الإحتواء والخلود في هذا العالَم الزّائل ، فهو يبحث عن الخلود في عالَم الفناء .
وفي عُرْفهم أنّ خيرات الوجود ـ كل خيرات الوجود ـ ليست إلاّ وسيلة لتموين رحلة الحياة العابرة .
فَلِمَ الجمع وهم راحلون ؟
وعلامَ البُخْل والمنع وهم يعتقدون العوض والجزاء ؟
وكيف يبخلون ، والوجود فيض لا ينقطع ، وعطاء لا ينفد ؟
وهؤلاء العباد ، عباد الرّحمن ، عندما اجتازوا عقدة الجشع والإحتواء الذميم ، لم يتخطّوا بهذا الإجتياز حدود الاعتدال والموازنة ليسقطوا في رذيلة الطيش والعبث والإسراف ، فيعبثوا أو يعتدوا على نظام الحياة ، فيضعوا الأشياء في غير مواضعها ، أو يغيِّروا مواقعها الّتي خُصِّصت لها ، أو يمنحوا الاُمور غير استحقاقها ، فدأبهم الاعتدال ، ومذهبهم الاقتصاد ، وأخلاقهم الاتزان والانضباط :
(وَا لَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) .
فمجتمعهم لا يعرف التقتير والإسراف ، ولا تنمو فيه مأساة الفقر إلى جانب بحبوحة الثّراء ، شأن مجتمعهم في ذلك شأن حقائق الوجود الاُخرى ، يملأها الغنى ويسيِّرها الاعتدال والاتزان ، فكل إنسان في مجتمعهم يأخذ حاجته ثمّ يمرّ بسلام ، ليترك لغيره مثلما أخذ لنفسه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com