اسم الكتاب: عباد الرّحمن
رحمانيّة عباد الرّحمن
(وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ ا لَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ ا لْعَذَابُ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ) . واتساقاً مع ما اتّصف به هذا النموذج من الناس من رحمانية وسلام، فانّهم يعيشون على هذه الأرض رسل رحمة ودعاة أمن وبشارة سلام ، يحـترمون الحياة ويقدِّسون حقّها في الوجود ، ويعرفون لها حرمتها ومقامها الآمن المصون . إنّهم الخيرة الّتي باهى الله بها الملائكة حين احتجّوا على جريمة الانسان الكبرى في ربوع الأرض الآمنة ، جريمة سفك الدماء : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ا لاَْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ ا لاَْسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ ا لْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) . ( البقرة / 30 ـ 32 ) إنّ عباد الرّحمن هم ظلّ الرّحمة المشرقة نوراً في ظلمات الأرض ، وهم الدليل الهادي في عالَم ضياع الانسان ، والقلب الكبير الّذي يشيع الأمن والسّلام في ربوع الأرض العبوس . وإنّهم المُقدِّسون الّذينَ يقدِّسون بارئ الوجود ، فيقدِّسـون إرادته ، ويعظِّمون آثار رحمته في عالَم الانسان . إنّ الّذين قَدّسوا وعرفوا كيف يتعاملون مع مآثر التقديس، ومواضع القدس ، لا يسـقطون حرمة ولا يعـتدون على حقّ مقدّس ، فالتقديس عندهم ليس ذكراً يردِّده اللِّسان، ولاتراتيلَ يلهج بها القدِّيسون وحسب ، ولا إحساساً يملأ القلب بالرّوعة والجلال فقط . إنّما التقديس روح تنتظم بها الحياة ; فينعكس ظلّها حقيقة تتجسّد في عالَم الانسان ، فتظهر في كيفية تعامله مع الحـياة ، وفي قدرته على الالتزام والفرز الواعي بين المواقف والموضوعات حين التعامل معها ، ليكون للمقدّس المصون مقام القدسية والصِّيانة في نظام الحياة ، فيكون مُميّزاً عمّا سواه . ويحترمون الحياة ، فهي جوهر الوجود على هذه الأرض ، وهي نفحة الرّحمن في الانسان ; لذا فهم : (وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ ا لَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) . لا يسقطون حقّ الحياة المقدّس للانسان ، ولا يقتلون النّفس ، إلاّ إذا كانت هذه النفس جريمة تسعى في جسم الحياة ، وفساداً يعبث في الأرض ، وينشر فيها العدوان والخراب ; فعندئذ تدعوهم قدسيّة الحياة إلى صيانة الحياة ، وحفظ الدم المقدّس ، لتبرئة الأرض من جريمة الفساد الّتي تضجّ منها الخلائق كلّها ، ويغضب لها البارئ الرّحيم ، فيستأصلون الفساد حتّى لا تكون فتنة في الأرض ، ويكون الحق هو الظاهر في حياة الانسان . فاستئصال الفساد من ربوع الأرض ، في عُرْف عباد الرّحمن ، ليس إلاّ محض التقديس وظهور الحق وخالص الكمال والتنزيه . فهم لم يوحِّدوا ولم يقدِّسوا ولم يكونوا عباد الرّحمن ، إلاّ إذا احترموا إرادة الله في خلقه ، وقدّسوا آثار أفعاله في عوالمه .
|
|