اسم الكتاب: عباد الرّحمن
عفّة عباد الرّحمن
(وَلاَ يَزْنُونَ ) : وعباد الرّحمن الّذين وعوا كل حقيقة في هذا الوجود ، فعرفوا لها حدودها وقيمتها ، يعرفون للغرائز والجنس مكانه المعقول في حياتهم ، ويعرفون الأثر المترتِّب على الفوضى والإنسياق وراء الشهوات والخضوع للنّزوات ، ويعرفون أنّ الإنسياق وراء الشهوة يدمِّر إرادة الانسان ويحطِّم كيان الإنسانية ، ويفقدها وعيها وإرادتها ويقودها على نغم القطيع الّذي يرقص على إيقاع نزواته ، فيعبد شهواته ، ويظل يمارس هذه العبودية ويسخِّر كل طاقاته للشهوة والهوى ، ظنّاً منه أ نّه يطلب الغاية القصوى لدوافع الذات ومحفِّزات التكامل الحضاري في دنياه ، في حين يغتال بوعيه المتردِّي هذا قيمة اللّذّة ، ويذيب الإحساس بالسعادة ، عندما يستعيض بهذا الإفراغ الشهواني الجامح ، عن لذّة الروح وسعادة الأبد . فجريمة الزِّنا في عُرْف عباد الرّحمن تشكِّل ظاهرة مَرَضيّة تعكس روح الفوضى والإنحلال الحضاري والقيمي عند هذا الانسان الّذي لا يعي قيمة اللّذّة وفلسفة الالتذاذ ، ولا يعرف للإنسانية حُرْمة ، ولا يدرك للأشياء حدوداً . ومن أجل هذا كان عبادُ الرّحمن أرقى نموذج حضـاري للانسان النظامي المنضبط ، وأفضل صيغة للأخلاقية الرفيعة الّتي تقود الغرائز ، وتوجِّه نشاط الانسانية الوجهة الفطرية السليمة ، لتوظِّف كلّ طاقة ونزعة إنسانية في مواقعها الطبيعية المُعدّة لها في أصل التكوين . إنّهم عباد الرّحمن الّذين يعبدون خالقهم بالتوافق مع إرادته الظاهرة حقيقة في عالَم الوجود ، فيدركون أنّ العالَم لا بدّ له من قوّة قائدة تستطيع أن تتطابق مع إرادة الحق والخير والجمال ، فيه فاكتشـفوا أنّ العقل هو القائد الّذي يجب أن يهيمن على إرادة الغرائز ، وأنّ العالَم الّذي تقوده الغرائز هو عالَم حيواني ينساق نحو العمى والفوضى والاضطراب.
|
|