قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  عباد الرّحمن


شهادة عباد الرّحمن

(وَا لَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ) .
وعباد الرّحمن الّذين لا ينظرون إلى هذا العالَم إلاّ من خلال علاقتهم بربِّهم ، وإلاّ عبر عبوديتهم له .
هؤلاء لم يروا إلاّ الحقيقة الوجودية الكُبرى لساناً ينطق بآلاء الرّحمن ، وصورة تعبِّر عن فيوضات عالم الحق والأزل .
فأيّ إمكان للتزييف في هذا العالم ؟
وأي إمكان للاحتيال والتزوير ؟
إنّ من يحـاول ذلك ، ما هو إلاّ مخادع يمنِّي نفسه بالاحتـيال على حقيقة هذا العالَم ، وجاهل يستهدف مسخ صورة الوجود .
وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يشهد عباد الرّحمن شهادة الزّور ؟
وكيف يمنعون ذا حقّ حقّه ؟
وكلّ حقيقة هي حقّ منذ خرجت من يد بارئها ، يشهد بها عالَم الأزل ، ويحتفظ بها سجل الوجود ، فكيف يصح إذن مغالبة الحقيقة ؟
ولِمَ شهادة الزّور ؟
وما زال عباد الرّحمن هم الحقيقة الانسانية الّتي تطابقت مع هذا الوجود ، ورفضت أن تزيِّف حقيقة الوقائع والأشياء .
إذن لا بدّ لهذه الشخصيات الانسانية من أن تصوغ مواقفها وفق منطق سلوكي موحّد .
ولذا كان لهم موقف الاسـتعلاء والرّفض للّغو والثرثرة أيضاً ، كما رفضوا الزّور والتزييف ، تلك الظاهرة الّتي يعيشها الانسان الفارغ العابث الّذي لا يفهم قيمة الوجود ، ولا يعرف موقع الكلمة ، ولا يدرك أهميّة الفكرة .
فاطلاق الكلمة بلا حساب وحكمة صفة الانسان الّذي يقذف ما في نفسه من عقد وترسّبات مرضية بالكلمة التائهة العابثة .
لذا فانّ عباد الرّحمن لا يجدون في هذه الفئة من الناس إلاّ مجموعة من الثراثرة والفاشلين ، الّذين يصوغون فشلهم وضياعهم عبارات لا ظل لها في الواقع ، ولا حقيقة لها في عالَم الوجود .
ولا يمكن لعـباد الرّحمن أن يصغوا لهذا اللّغو العابث ، فانّ لهم عن ذلك شغلاً ، وهم المترفِّعون عن الهبوط والتدنِّي إلى هذا الحضيض الّذي كرّموا أنفسهم عنه .
إنّهم اُناس يحترمون الكلمة ، ويعرفون لها قيمتها وأثرها في واقع الحياة ، فلا يصنعونها إلاّ هيكلاً لمعنى مقصود عندهم ، يدل على حقيقة قائمة في هذا الوجود ، لتعبِّر عن غاية مستهدفة للناطقين بها .
إنّها الصيغة الثانية لعالَم الحقائق ، الّذي يسير مع عالَم الكلمة جنباً إلى جنب ، ويوازيه خطوة بخطوة .
فعلامَ إذن يشغلون أنفسهم بالجدل والمراء ؟
ولِمَ يخدعونها بالمغالطة والخداع ؟
إنّهم يؤمنون أنّ عالَم الكلمة هو عالَم العقل الّذي يوازي عالَم الحقيقة ويعبِّر عنه ، لذا فهم لا يتعاملون مع ذلك العالَم إلاّ بحـدود ما يناسـب دوره في الحياة ، ولذا فهم :
(وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com