قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المحنة والابتلاء


حوادث واختبار

ويضع القرآن أمامنا نموذجاً آخر للابتلاء والاختبار، وهو الاختبار بالمال والثروة وعلاقة الإنسان المادية بهما.
لقد سجل لنا الذكر الحكيم حادثة تاريخية تجسد هذه الوضعية البشرية، وتعرفها لنا بوضوح. قال تعالى:
{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين* فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون* فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون* ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب}.(التوبة/75ـ78)
نقل المفسرون أسباب نزول هذه الآية، وشرحوا الحادثة التي وقعت في عهد الدعوة الأولى في المدينة المنورة، قال الشيخ الطبرسي:
قيل نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الأنصار فقال للنبي(ص): أدع الله أن يرزقني مالا، فقال:(( يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، أما لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت))، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فقال (ص): اللهم ارزق ثعلبة مالا، قال فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل وادياً من أوديتها، ثم كثرت نمواً حتى تباعد عن المدينة، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث رسول الله (ص) إليه المصدق ليأخذ الصدقة، فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فقال رسول الله(ص): ((يا ويح ثعلبة)).
وقيل نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف، قالا: لئن رزقنا الله مالا لنصدقن، فلما رزقهما الله المال بخلا به، عن الحسن ومجاهد.
وقيل نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير،عن الضحاك.
وقيل نزلت في حاطب بن أبي بلتعة،كان له مال بالشام فأبطأ عليه وجهد لذلك جهداً شديداً فحلف لئن آتاه الله ذلك المال ليصدقن، فآتاه الله تعالى ذلك، فلم يفعل، عن الكلبي)(2).
وتحدث القرآن في موارد أخرى لبيان أخطر جانب من جوانب الاختبار والابتلاء في حياة الإنسان وحركة التاريخ، وهو جانب الدعوة إلى رسالة الله والجهاد في سبيله، وتحمل مسؤوليات وتبعات الدعوة والجهاد والصراع.
إن قضية الصراع والكفاح وحمل الدعوة هي من أكثر التكاليف والابتلاءات والوسائل قدرة على اختبار صدق الإنسان وإخلاصه لله سبحانه، ذلك ما تحتاجه هذه المهمة الصعبة من صبر وثبات وتضحية بالمال والنفس والأهل والراحة ومتع الحياة، واستعداد لتحمل التشريد والقتل والتعذيب والأذى والحرب النفسية والدعائية... الخ.
والقرآن يصور كل ذلك في بعض نصوصه، ويتحدث في الصبر والجهاد والابتلاء كما في قوله:
{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}.(محمد/31)
{ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون* ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون}.(البقرة/ 154ـ156).
{لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور).(آل عمران/186)
{... يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور}.(آل عمران/154)
{إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظّنونا* هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}.(الأحزاب/10 ـ 11)
إذن فلنقف طويلاً أمام هذه المجموعة من آي الكتاب ولنقرأها مرات عديدة، ولنستبطن العمق القرآني، ونتابع أبعاد التصوير، لكي نشخص السنن الإلهية، وقوانين الصراع والاختبار، ونعي حقيقة ما يجري من حول الانسان، وما يصيبه في سبيل الله من مصائب وأذى وقتل وخوف وجوع وضياع ونقص من الأموال والأنفس، وصراع ومواجهة ميدانية للعدو، مواجهة في ساحات
القتال والكفاح الفكري والسياسي والإعلامي. فالقرآن عندما يصور للإنسان المؤمن كل تلك الأحداث والوقائع التي لابد وأن يجري عليه بعضها، أو تتوارد مجتمعة عليه، فهو عندما يصور له كل ذلك، إنما يريد أن يعده إعداداً نفسياً، ويربيه تربية خاصة لمواجهة الحياة، وتحمل مسؤولية الدعوة إلى الإسلام، والجهاد في سبيل الله، والوقوف بوجه أعداء الله والإنسان، وليكون مستعداً لاستيعاب حالة التوتر والاضطراب وحركة الأحداث الصاخبة.
إنه يعد أمته ويهيئ الإنسان المؤمن، الداعي إلى الله والمجاهد في سبيل الله، فيعرض أمام الأجيال شريط الأحداث ومحتملات الحدوث، ليكون الإنسان المخاطب مستعدا لمواجهة المواقف الصعبة وحالات الضيق والعسرة، وساعات الشدة والمحنة، لئلا يتصور الحياة دعة ورخاء وطمأنينة، وليعرف أن طريق الهدى هو الطريق ذات الشوكة الذي يفر منه ضعفاء الإيمان والنفعيون والانتهازيون، ويثبت عليه الصادقون والصابرون.
إن محنة الجهاد والقتل والهجرة والجوع والتشريد والخوف والإرهاب والحملات الدعائية المضادة والحرب النفسية التي يشنها خصوم الدعوة والمبادئ الإلهية، إن هي إلا عملية تنقية واختبار وتمحيص للنفوس والكشف عن هوية الإنسان، وفرز الصادق من الكاذب، والمخلص من المدعي:
{هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}.(الأحزاب/11)
وعندما يعرض القرآن تلك الصور المثيرة من الآلام والمعاناة، ويشحنها بالضغظ المتواصل لتتميز المؤمنة المؤهلة لخوض أحداث المرحلة الصعبة، وتحمل أعباء الدعوة والجهاد، وليسلح دعاته وحملة مبادئه بالصبر والثبات،ويدعوهم إلى ذلك،وليطوق الحريق بفيض من بحر الصبر والثقة بالله، فتتصاغر الحوادث الصاخبة، وتمر على الصابرين والدعاة إلى الله والمجاهدين كما يمر الحلم المزعج على النائم الوسنان، فيتداعى جبروت الطغاة بين يدي صبرهم وثباتهم وعزائمهم الصلبة، لذا تراه يكرر:
{... حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين..}.(محمد/31)
{... وبشر الصابرين}. (البقرة/155)
{وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.(آل عمران/186)
{... قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}.(البقرة/250)
ليبني إرادة المجاهد وقراره على أساس صلب وأرضية نفسية مستقرة.
وفي حديث القرآن عن الاختبار والابتلاء والسنن الإلهية في عالم الصراع والكفاح العقائدي والحضاري، يوضح للإنسان حقائق أخرى ويحلل له طبيعة الصراع وقانونيته، الصراع بكل جوانبه وأبعاده، الصراع الفكري والصراع النفسي والصراع المسلح... الخ،يوضح له أن هذا الصراع هو حالة من حالات الاختبار، المتمثل بإلقاء مسؤولية الحسم عليه، وإدارة أحداث الموقف التاريخي، وتمثيل دور السببية الاجتماعية، ضمن إرادة إلهية ومشيئة ربانية حكيمة، لذلك يكشف هذه الحقيقة بقوله:{ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}.(محمد/4)
{ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا}.(الممتحنة/5)
{... ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}.(البقرة/251)
{... وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا}.(الفرقان/20)
وهكذا يكلف الإنسان المؤمن بإدارة دفة الصراع، وتحريك الأحداث لاستئصال الكفر والظلم والفساد والطغيان، وفق تكليف الهي وحكمة ربانية شاملة.
إن الله هو الخالق القاهر فوق عباده، والقادر على منع الظالم والمجرم والمفسد والكافر من التلبس بالكفر والظلم والجريمة وممارسة الفساد والتخريب وتدميره، ولكنه سبحانه كلف الفريق الآخر من الناس بالقيام بهذه المهمة كجزء من الاختبار والابتلاء ليمتاز الفريقان، وتنكشف حقائق الناس، وليتضح من خلال المواقف الصعبة والمعاناة الحادة من يقف إلى جانب الحق والعدل، ومن يؤمن بالله ويدعو إلى الهدى، ويحمل راية الخير والإصلاح، ويدافع عن ذلك كله كجزء من مسؤوليته وواجبه في الحياة، ومن يكفر بالله ويمارس الظلم والفساد والعدوان:
{ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}.(محمد/4)
إن هذا الصراع هو جزء من نظام الحياة، وعندما يتخلف الطرف الرافض للكفر والظلم والعدوان، عن القيام بواجبه تعرّض الحياة البشرية لفساد مدمر، وانحطاط مروّع، لذلك يوضح لنا القرآن ويؤكد أن الله سبحانه يختبر بعض الناس ببعض، لتنكشف حقيقتهم وتجري الحياة وفق قانون الصراع والتكامل، فهذا قوي، وهذا ضعيف، وهذا غني، وهذا فقير، وهذا حاكم، وهذا محكوم، والكل خاضع للاختبار والابتلاء ضمن التعامل والتصرف مع الواقع الذي يعيشه والحقائق التي يواجهها.
ان الناس يتفاوتون في طاقاتهم وقابلياتهم ومواهبهم الطبيعية وقدراتهم على احتلال المواقع في الحياة الاجتماعية وامتلاك أسباب القوة والتأثير، فالناس ليسوا سواء في قدراتهم العقلية والنفسية والجسدية، لذلك تتفاوت قدراتهم وأدوارهم الاجتماعية التي يمكن أن يقوموا بها. واستخدام هذه الطاقات والتصرف بها، وكيفية التعامل مع الآخرين هي المجال الصعب للاختبار والابتلاء، لذلك يوضح القرآن هذه الحقيقة بقوله:{وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم}.(الأنعام/165)
{ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات}.(المائدة/48)
{قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}.(الأعراف/129)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com