قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المحنة والابتلاء


المواقف القلقة

وصورة أخرى من صور السقوط والتهاوي في ساعة العسرة، وميدان الاختبار العملي، والكشف عن حالات الضعف المستتر، يثيرها القرآن أمامنا بقوة، ويلفت إليها الأنظار بحرارة، فيؤنب المصابين بحالات الضعف والتذبذب والانتهازية، أولئك الذين ينسحبون من المواجهة الحادة، ويديرون ظهورهم إلى جماعة المؤمنين، وأصحاب المواقف المبدئية في ساعة المحنة، ويخضعون للضغوط، ويتهاونون أمام خصوم الدعوة والرسالة، إلا أنهم سرعان ما يتلونون تلون الحرباء، ويظهرون الود والانتماء إلى الصف الإيماني الصابر الثابت على جمر المحنة، ولهيب المواجهة، عندما يرون النصر قد تحقق وغبار المعركة قد سكن، وافق المغانم قد فتح، لنصيغ إلى القرآن ولنسمع له، وهو يرتل على مسامعنا تلك العبرة والموعظة، إنه يقول:
{ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين}.(العنكبوت/10)
قال الطبرسي في مجمع البيان عند تفسيره لهذه الآية:
[ولما ذكر سبحانه خيار المؤمنين عقبه بذكر ضعفائهم، وقيل بل عقبه بذكر المنافقين فقال: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} بلسانه {فان أوذي في الله} أي في دين الله، أو في ذات الله {جعل فتنة الناس كعذاب الله}، والمعنى: فإذا أوذي بسبب دين الله رجع عن الدين مخافة عذاب الناس، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله، فيسوي بين عذاب فان منقطع، وبين عذاب دائم غير منقطع أبداً لقلة تميزه، وسمي أذيّةً الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة، {ولئن جاء نصر من ربك} يا محمد، أي ولئن جاء نصر من الله للمؤمنين ودولة لأولياء الله على الكافرين {ليقولن إنا كنا معكم} أي ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين إنا كنا معكم على عدوكم طمعا في الغنيمة، ثم كذبهم الله فقال: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} من الإيمان والنفاق، فلا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا].(7)
ومثل هذا الصنف من الناس الذين تكشفهم المحنة وساعة الاختبار، أولئك الذين يعبدون الله على
حرف، وهم ضعاف الايمان، القلقون الذين لم تستقر أقدامهم، ولم تثبت العقيدة في نفوسهم، كالذي يقف قلقاً على حبل مضطرب، فهو يبحث عن المغانم والدعة والمكاسب، ويهرب من تحمل المسؤولية والأذى في سبيل الله، وسرعان ما يغير رأيه وموقفه الانتهازي.
والقرآن يصور هذا النمط من الناس بأدق تصوير بقوله:
{ومن الناس من يعبد الله على حرف(8) فإن أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة}. (الحج/11)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com