قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: مرتكزات أساسية في الأعلام القرآني
2ـ توجيه الحرب النفسيّة ضدّ الأعداء
وقد استخدم الرسول الكريم (ص) هذا الأسلوب بشكل فعّال في مواقع عديدة من صراعه مع قوى الجاهليّة، وحقّق التفوّق المعنوي لقوّاته ورسالته، والهزيمة لأعداء الله والإنسان، وممّا يرويه المؤرّخون في هذا التوظيف الحاذق للحرب النفسيّة، هو العمل الموجّه ضدّ قريش في معركة( حمراء الأسد)، بعد هزيمة اُحد، وفي معركة الأحزاب، ففي كلتا المعركتين كان لرسول الله(ص) مواقف اعلامية، وحرب نفسيّة ناجحة ضدّ خصومه. فانّ رسول الله(ص) عندما رأى الضعف والوهن في جيشه بعد معركة اُحد واحساس المشركين بالتفوّق والنصر، أراد أن يحطّم معنوية الأعداء، ويعيد لأصحابه الثبات والقوّة المعنوية، فطلب منهم أن يتجهّزوا بُعيد معركة اُحد، وينفروا لقتال العدو ومطاردته، وهو في طريق انسحابه إلى مكّة، ليعرف الناس انّ المسلمين ما زالوا أقوياء، ولهم القدرة على شنّ الهجمات، وانّ العدو يتقهقر أمامهم، فيتغيّر الموقف الإعلامي لصالح الدعوة الإسلامية، فاستجاب له أصحابه، ومارس هذا العمل الجهادي الإعلامي، وحقّق عن طريقه نتائج اعلامية باهرة، فأنزل الله سبحانه آيات تثني على هذا الموقف، وتعظّم المجاهدين، وتبشّرهم بالانتصار، قال تعالى: { الّذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للّذين احسنوا منهُم واتّقوا أجر عظيم* الّذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيلُ}.(آل عمران/172-173) ذكر المفسّرون في أسباب نزول هاتين الآيتين ما يأتي: [لمّا انصرف أبو سفيان وأصحابه من اُحد فبلغوا الروحاء، ندموا على انصرافهم عن المسلمين، وتلاوموا، فقالوا: لا محمّداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد، تركتموهم، فارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله(ص)، فأراد أن يرهب العدو، ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: ألا عصابة تشدد لأمر الله تطلب عدوّها، فانهّا أنكى للعدو، وأبعد للسمع، فانتدب عصابة منهم، مع ما بهم من القراح والجراح، الذي أصابهم يوم اُحد، ونادى منادي رسول الله(ص): ألا يخرجنّ أحد إلاّ حضر يومنا بالأمس، وانما خرج رسول الله(ص) ليرهب العدو؛ وليبلغهم انه خرج في طلبهم، فيظنوا به قوّة، وان الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم فينصرفوا، فخرج في سبعين رجلاً حتى بلغ حمراء الأسد، وهي من المدينه على ثمانية أميال، وذكر علي بن ابراهيم بن هشام في تفسيره؛ انّ رسول الله(ص) قال: هل من رجل يأتينا بخبر القوم؛ فلم يجبه أحد، فقال أمير المؤمنين؛ أنا آتيك بخبرهم، قال: اذهب، فان كانوا ركبوا الخيل، وجنبوا الابل، فانهم يريدون المدينة، وان كانوا ركبوا الابل، وجنبوا الخيل، فانهم يريدون مكة، فمضى أمير المؤمنين(ع) على ما به من الألم والجراح، حتى كان قريباً من القوم، فرآهم قد ركبوا الابل، وجنبوا الخيل، فرجع وأخبر رسول الله(ص) بذلك، فقال: أرادوا مكة، فلما دخل رسول الله (ص) المدينة، نزل جبرائيل فقال: يا محمّد (ص) انّ الله عز وجل يأمرك أن تخرج، ولا يخرج معك إلاّ من به جراحة، فاقبلوا يكمدون جراحاتهم، ويداوونها، فأنزل الله تعالى على نبيّه (ص): { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمُون}.(النساء/104) فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح حتى بلغوا حمراء الأس د، وروى محمّد بن اسحق بن يسار عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت بن أبي السائب أنّ رجلاً من أصحاب النبي (ص) من بني عبد الأشهل، كان شهد أُحداً، قال: شهدت أُحداً، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلمّا أذّن مؤذن رسول الله (ص) بالخروج في طلب العدو، قلنا: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله (ص)، فوالله ما لنا دابة نركبها، وما لنا إلاّ جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله (ص)، وكنت أيسر جرحاً من أخي، فكنت إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا مع رسول الله (ص) إلى حمراء الاسد، فمرّ برسول الله (ص) معبد الخزاعي بحمراء الاسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله (ص) بتهامة، صفتهم معه لا يخفون عنه شيئاً، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمدّ (ص) لقد عزّ علينا ما أصابك في قومك وأصحابك، ولوددنا أن الله كان اعفاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلّى الله عليه وآله، حتى لقي أبا سفيان، ومن معه بالروحاء، وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله (ص)، وقالوا: قد أصبنا حدّ اصحابه وقادتهم واشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، فلما رأى أبو سفيان معبداً، قال: ما وراك يا معبد؟ قال: محمد (ص) قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ، يتحرّقون عليكم تحرّقاً، وقد اجتمع عليه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على صنيعهم، وفيه من الحنق عليكم ما لم أر مثله قطّ، قال: ويلك ما تقول ، قال: فأنا والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فأنا والله انهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياناً من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت: كادت تهُد من الأصوات راحلتي *** إذ سالت الأرض بالجُرد (1) الأبابيل تردى بأُسد كرام لا تنابلة *** عند اللقاء ولا خُرق معازيل فظلتُ عدواً أظُنُّ الأرض مائلةً *** لمّا سموا برئيس غير مخذُول وقلت ويل لابن حرب من لقائكمُ *** إذا تغطمطت البطحاء بالخيل إنّي نذير لأهل السُّبل ضاحيةً *** لكُل ذي إربه منهُم ومعقُول من جيش أحمد لا وخش تنابلة *** وليس يوُصفُ ما أثبتُّ بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد قيس، فقال: أين تريدون، فقالوا: نريد المدينة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمّداً رسالة أرسلكم بها إليه، واحمل لكم ابلكم هذه زبيباً بعكاظ غداً اذا وافيتمونا، قالوا: نعم، قال: فاذا جئتموه فأخبروه: أنا قد اجمعنا الكرة عليه، وعلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان الى مكة، ومر الركب برسول الله (ص) وهو بحمراء الاسد، فأخبرة بقول أبي سفيان، فقال رسول الله (ص) وأصحابه: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، ثم انصرف رسول الله(ص) إلى المدينة بعد الثالثة، وقد ظفر في وجهه ذلك بمعونة ابن المغيرة بن العاص ، وأبي قرة الجمحي، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك انّ أبا سفيان قال يوم أُحد حين أراد أن ينصرف: يا محمّد، موعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل، إن شئت، فقال رسول الله: ذلك بيننا وبينك، فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل مجنة، من ناحية الظهران، ثم ألقى الله عليه الرعب، فبدا له، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمراً، فقال له أبو سفيان: اني واعدت محمّداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وان هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلاّ عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا اخرج اليها، واكره أن يخرج محمّد، ولا أخرج أنا فيزيدهم ذك جرأة، فالحق بالمدينة فثبّطهم، ولك عندي عشرة من الابل، أضعها على يد سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرأي رأيكم، أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم الا شريد، فتريدون أن تخرجوا، وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله (ص): والذي نفسي بيدة لأخرجن، ولو وحدي، فأما الجبان فانه رجع، وامّا الشجاع فانّه تأهّب للقتال، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله (ص) بأصحابه حتى وافوا بدراً الصغرى، وهو ماء لبني كنانة، وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية، يجتمعون اليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة الى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق، ويقولون انما خرجتم تشربون السويق، ولم يلق رسول الله (ص) وأصحابه أحداً من المشركين ببدر، ووافق السوق، وكانت لهم تجارات، فباعوا، وأصابوا للدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وقد روى ذلك أبو الجارود عن الباقر (ع)] (2). وفي معركة الأحزاب، وظّف رسول الله (ص) مرّة أخرى العمل الإعلامي والحرب النفسيّة ضدّ الخصوم والأعداء، فقد كان جيش العدو متفوّقاً على المسلمين بعدّته وعدده، والمدينة محاصرة، والخطر يهدّد الإسلام، وفي هذه الأثناء جاء رجل من المشركين اسمه (نعيم بن مسعود) معلناً اسلامه، وعرض على النبي (ص) تنفيذ أي أمر يريده فقال له:" إنّما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذّل عنّا ان استطعت، فانّ الحرب خدعة". فخرج نعيم بن مسعود، فأتى بني قريضة فأقنعهم ـ وهم يحسبونه لايزال مشركاً ـ أن لا يتورطّوا مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن، كي لايولوا الأدبار، فيبقون وحدهم في المدينة دون أي نصير لهم على محمّد وأصحابه، فقالوا له: إنّه للرّأي! ثمّ خرج حتى أتى قريشاً فأنبأهم انّ بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا، وأنهّم قد اتّفقوا خفية مع رسول الله (ص) على أن يختطفوا عدداً من أشراف قريش وغطفان فيسلّموهم له ليقتلهم، فإن أرسلت اليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم، فايّاكم أن تسلّموهم رجلاً منكم. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال لهم مثل الذي قال لقريش. وهكذا تألّب بعضهم على بعض، واختفت الثقة فيما بينهم، وأصبح كلّ فريق منهم يتّهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة. (3)
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|