قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  مرتكزات أساسية في الأعلام القرآني


3ـ الآيات التي تحث على مواجهة الحرب الدعائية، والدعاية المضادّة، وعدم التأثّر بها

فمنذ أقدم العصور عرف الإنسان الحرب النفسية، وأثرها التخريبي في تماسك الشعوب والأمم والجماعات والأفراد، خصوصاً في حالة الحروب والأزمات والتحوّلات الاجتماعية والأحداث الجديدة، فاستخدمها كسلاح هدّام في صراعه الفكري والعسكري والسياسي والاقتصادي...الخ.
قد عرّض الدعوة الإسلامية، والرسالة الإسلامية، والأمة الإسلامية لحملة دعائية مضللة، ولحرب نفسية مخرّبة في عصر النبوّة والوحي، من قبل المشركين في مكة والمنافقين واليهود في المدينة وما حولها، كما تتعرّض اليوم الأمة الإسلامية، والقضية الإسلامية، والقوى الإسلامية، والتيار الإسلامي، والجمهورية الإسلامية، فتشنّ ضدّها الحملات الدعائية المضلّلة، والحرب الهدّامة.
وقد حرص القرآن الكريم على توعية المسلمين، وتكوين الحسّ السياسي والإعلامي لديهم؛ لصيانة الرأي العام الإسلامي، وتحصينه من التأثّر بالاشاعات والأكاذيب والأراجيف التي يبثها المندسّون والمنافقون والخصوم؛ ليكوّن المناعة الفكرية والنفسية، ويفوّت الفرص على أولئك المخرّبين، فثبّت الأسس والموازين اللازمة للانسان
المسلم، ليتمكّن من فحص وتمييز الاشاعة والدعاية الكاذبة وفرزها، والوقوف بوجهها.
لقد هاجم القرآن المرجفين، ومروجي الاشاعات، ومثيري الفتن، واللاعبين بالرأي العام، الذين يسعون في الأرض فساداً، ويربكون استقرار المجتمع الإسلامي وأمنه، ويهدمون حصونه النفسية والفكرية، ويحاولون فتح الثغراب في بنائه، وبين أبنائه؛ ليسهل عليهم الاجهاز عليه وتمزيقه، كما حذّر المؤمنين من تصديق الاشاعات والأخبار الكاذبة، وطالبهم بفحص الاخبار والاشاعات، والتأكّد منها، وعدم تصديق المرجفين والكذّابين ومروجي الاشاعات التي تسعى لهدم سمعة المسلمين، أو وحدتهم، أو اضعاف بنائهم الروحي والنفسي والاجتماعي ... الخ.
قال تعالى متحدّثاً عن شريحة من شرائح هذه الطوابير المخرّبة، يصف وضعها النفسي وعملها الهدّام:
{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً واثماً مبينا}.(الأحزاب/58)
{ لئن لم ينته المُنافقون والّذين في قلوبهم مرض والمُرجفُون في المدينة لنُغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً* ملعونين أين ما ثُقفوا أُخذوا وقتلوا تقتيلاً* سنُةّ الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسُنة الله تبديلاً}. (الأحزاب/60-62)
لقد صوّرت لنا هاتان الآيتان جانباً من أعمال التخريب والاشاعات والأباطيل ضدّ المسلمين ومجتمعهم ودولتهم وجيشهم، فقد نقل المفسّرون في تفسير الآية (58) من سورة الأحزاب ما نصه: ( أي يؤذونهم من غير أن يعملوا ما يوجب أذاهم، فقد فعلوا ما هو أعظم الاثم مع البهتان، وهو الكذب على الغير يواجهه به، فجعل ايذاء المؤمنين مثل البهتان ، وقيل يعني بذلك اذيّة اللسان، فيتحقق فيها البهتان، وقيل نزلت في قوم من الزناة كانوا يمشون في الطرقات ليلاً فإذا رأوا امرأة غمزوها، وكانوا يطلبون الاماء، عن الضّحاك والسدي والكلبي).(4).
وجاء في تفسير الآية (60) وما بعدها من سورة الأحزاب ما نصّه: ( أي لئن لم يمتنع المنافقون { والّذين في قلوبهم مرض} أي فجُور وضعف في الايمان، وهم الذين لا دين لهم عمّا ذكرناه من مراودة النساء وايذائهنّ { والمرجفون في المدينة} وهم المنافقون أيضاً، الّذين كانوا يرجفون في المدينة بالأخبار الكاذبة، المضعفة لقلوب المسلمين، بأن يقولوا اجتمع المشركون في موضع كذا قاصدين لحرب المسلمين، ونحو ذلك، ويقولوا لسرايا المسلمين أنّهم قتلوا وهزموا، وفي الكلام حذف، وتقديره لئن لم ينته هؤلاء عن أذى المسلمين، وعن الارجاف بما يشغل قلوبهم {لنغرينّك بهم} أي لنسلطنّك يا محّمد (ص)، عن ابن عبّاس.
والمعنى أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم، وتُخلي عنهم المدينة، وقد حصل الاغراء بهم بقوله تعالى: { جاهد الكفّار والمنافقين} عن أبي مسلم، وقيل: لم يحصل الاغراء بهم؛ لأنّهم انتهوا، عن الجبائي، قال: ولو حصل الاغراء لقتلوا وشردوا، وأخرجوا عن المدينة، { ثم لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً}، أي ثم لا يساكنونك في المدينة إلاّ يسيراً، وهو ما بين الأمر بالقتل وما بين قتلهم " ملعونين " أي مطرودين منفيين عن المدينة، مبعدين عن الرحمة، وقيل ملعونين على ألسنة المؤمنين، { أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلاً} أي اينما وجدوا وظفر بهم أخذوا وقتلوا أبلغ القتل { سنّة الله في الّذين خلوا من قبل}.
والسنّة: الطريقة في تدبير الحكم، وسنّة الرسول (ص) طريقته التي أجراها بأمر الله تعالى، فاضيفت اليه، ولا
يقال سنّة إذا فعلها مرّة أو مرّتين؛ لانّ السنّة الطريقة الجارية، والمعنى سنّ الله في الذين ينافقون الانبياء، ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا، عن الزجاج.
{ ولن تجد لسنّة الله تبديلاً} أي تحويلاً وتغييراً، أي لا يتهيأ لأحد تغييرها، ولا قلبها من جهتها؛ لأنّه سبحانه القادر الّذي يهيّيء لأحد منعه مما أراد فعله) (5).
وتحّدث القرآن في موضع آخر يصف دور هذا الطابور المخرّب، المروّج للأراجيف والاشاعات والمثبط للمسلمين في حربهم ومواجهتهم لعدو الإسلام.
قال تعالى:
{ لو خرجوا فيكّم ما زادُوكم إلاّ خبالاً ولأ وضعوا خلالكُم يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليمٌ بالظالمين* لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون}. (التوبة /47-48).
وقد فسّر الشيخ الطبرسي هذه الآية المباركة بالآتي:
[ { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خبالاً} معناه لو خرج هؤلاء المنافقون معكم الى الجهاد ما زادوكم بخروجهم إلاّ شراً وفساداً، وقيل: غدراً ومكراً، عن الضّحاك، وقيل: يريد عجزاً وجبناً، عن ابن عبّاس، أي أنّهم كانوا يجبنونكم عن لقاء العدو بتهويل الأمر عليكم { ولأوضعوا خلالكم} أي لأسرعوا في الدخول بينكم بالتخريب والافساد والنميمة، يريد، ولسعوا فيما بينكم بالتفريق بين المسلمين، ويكون تقديره: ولأعدوا الإبل وسطكم، وقيل معناه لأوضعوا ابلهم خلالكم، يتخلل الراكب الرجلين، حتى يدخل بينهما، فيقول ما لا ينبغي {يبغونكم الفتنة} بعدو الإبل وسطكم، ومعنى يبغونكم. يبغون لكم، أو فيكم، أي يطلبون المحنة باختلاف الكلمة والفرقة، وقيل: معناه يبغونكم أن تكونوا مشركين، والفتنة: الشرك، عن الحسن، وقيل معناه: يخوفونكم بالعدو، ويخبرونكم أنّكم منهزمون، وانّ عدوكم سيظهر عليكم، عن الضّحاك، {وفيكم سمّاعون لهم} أي وفيكم عيون للمنافقين، ينقلون اليهم ما يسمعون منكم، عن مجاهد، وابن زيد، وقيل معناه: وفيكم قائلون منهم عند سماع قولهم، يريد ضعفة المسلمين، عن قتادة، وابن اسحاق وجماعة، { والله عليم بالظالمين} أي بهؤلاء المنافقين، الذين ظلموا أنفسهم لما اضمروا عليه من الفساد، منهم عبد الله بن أُبيّ وجد بن قيس، وأوس بن قبطي، ثم أقسم الله سبحانه، فقال: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل}، الفتنة اسم يقع على كل سوء وشر، والمعنى: لقد طلب هؤلاء المنافقون اختلاف كلمتكم وتشتيت أهوائكم وافتراق آرائكم من قبل غزوة تبوك، أي في يوم أُحد، حين انصرف عبد الله بن أُبي بأصحابه، وخذل النبي (ص)، فصرف الله سبحانه عن المسلمين فتنتهم، وقيل أراد بالفتنة صرف الناس عن الايمان والقاء الشبهة إلى ضعفاء المسلمين، عن الحسن، وقيل أراد بالفتنة: الفتك بالنبي (ص) في غزوة تبوك ليلة العقبة، وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقفوا على الثنية؛ ليفتكوا بالنبي (ص)، عن سعيد بن جبير، وابن جريح. {وقلبوا لك الأمور} أي احتالوا في توهين أمرك، وايقاع الاختلاف بين المؤمنين، وفي قتلك بكل ما أمكنهم فيه، فلم يقدروا عليه، وقيل
أنّهم يريدون في كيده وجهاً من التدبير، فاذا لم يتم ذلك فيه تركوه، وطلبوا المكيدة في غيره، فهذا تقليب الأمور، عن ابي مسلم. {حتى جاء الحق} معناه: حتى جاء النصر والظفر، الذي وعده الله به، {وظهر أمر الله} أي دينه، وهو الإسلام، على الكفار على رغمهم، {وهم كارهون} أي في حال كراهيتهم لذلك، فهي جملة في موضع الحال].(6)
وفي مورد آخر من موارد التوعية والتوجيه، وتثبيت أسس التعامل مع الخبر والاشاعة، أرسى القرآن الحكيم قاعدة أساسية في هذا الشأن بقوله:
{يا ايهّا الذّين آمنوا ان جاءكُم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين}. (الحجرات/6).
فبعد حادثة تاريخية استهدفت تزوير الحقيقة وتزييفها، نزلت هذه الآية المباركة؛ لتوضّح للمسلمين ضرورة التثبت، وعدم التسرّع في استقبال الخبر والرواية وتصديقهما، والاعتماد عليهما، وتقرير الموقف بناء على ما جاء بهما، اذا كان ناقل الخبر مجهولاً أو فاسقاً، ومرّوج الاشاعة غير مأمون على نقل الخبر وحمل الرواية.
ذكر المفسّرون انّ هذه الآية [نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله (ص) الى بني المُصطلق، فخرجوا يتلقونه فرحاً به، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، فظنّ أنّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول الله ( ص)، وقال: انّهم منعوا صدقاتهم، وكان الأمر بخلافه، فغضب النبي (ص)، وهمّ أن يغزوهم، فنزلت الآية، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة (7)]. (8)
لقد كانت هذه الآية ومازالت موضع اهتمام المفسّرين وعلماء الرواية وأصول الفقه لتطرّقها لموضوع هام في حياة المسلمين، وهو كيفية قبول الرواية وتصديقها.
فالآية تحذّر المسلمين وتلزمهم بالتريّث والتأكّد بالبحث والتحري ومتابعة الأمر، حتى يحصل صدقه، ان كان ناقل الخبر فاسقاً أو مجهول الحال أو غير مأمون النقل، مخافة أن تنقل الأخبار الكاذبة، وتروج الاشاعات المضللة فيُساد الى من يصدقها، والى من تتعلّق به، وقد استدلّ فريق من العلماء بهذه الآية على جواز العمل برواية الآحاد (9)، ان كان الراوي ثقة، صدوقاً، مأمون النقل.
واستدلّ آخر بهذه الآية على عدم جواز تصديق خبر الآحاد، وان كان الراوي ثقة، لأنّ الآية ـ كما فهمها هذا الفريق ـ تدلّ على التوقّف عن قبول رواية الآحاد؛ لأنّ رواية الآحاد محتملة الكذب، وكل محتمل الكذب يجوز أن يكون كذباً.
وهكذا استنتج العلماء من هذه الآية منهجاً لقبول الرواية والخبر، في مجال الاحاديث النبوية والأخبار والروايات التاريخية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
فهم أجمعوا على عدم جواز اخذ الخبر أو الرواية أو الاشاعة ما لم يتوفّر الصدق والوثاقة في الراوي وناقل الخبر
ومصدر الاشاعة، والاطمئنان إلى قوله.
وقد فصّل الشيخ الطبرسي تفسير هذه الآية بقوله: ( ثم خاطب سبحانة الؤمنين فقال: { يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ} أي بخبر عظيم الشأن، والفاسق الخارج عن طاعة الله إلى معصيته، {فتثبتوا} صدقه من كذبه، ولا تبادروا الى العمل بخبره، ومن قال فتثبتوا، فمعناه توقفوا فيه، وتأنوا حتى يثبت عندكم حقيقته. {أن تصيبوا قوماً بجهالة} أي حذراً من أن تصيبوا قوماً في أنفسهم وأموالهم بغير علم بحالهم، وما هم عليه من الطاعة والإسلام، {فتصبحوا على ما فعلتُم} من اصابتهم بالخطأ، {نادمين} لا يمكنكم تداركه، وفي هذا دلالة على انّ خبر الواحد لا يوجب العلم ولا العمل (10)، لأنّ المعنى: ان جاءكم من لا تأمنون أن يكون خبره كاذباً فتوقّفوا فيه، وهذا التعليل موجود في خبر من يجوز كونه كاذباً في خبره، وقد استدّل بعضهم بالآية على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلاً من حيث انّ الله سبحانه أوجب التوقّف في خبر الفاسق، فدلّ على أنّ خبر العدل لا يجب التوقّف فيه، وهذا لا يصح؛ لانّ دليل الخطاب لا يعود عليه عندنا، وعند أكثر المحققين) (11).
امّا العلامة الطباطبائي ـ طيّب الله ثراه ـ فقد فسّر الآية كالآتي:
قوله تعالى: {يا أيها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا}، الفاسق ـ كما قيل ـ الخارج عن الطاعة إلى المعصية، والنبأ: الخبر العظيم الشأن، والتبيّن والاستبانة والابانة ـ على ما في الصحاح ـ بمعنى واحد، وهي تتعدّى ولا تتعدى، فإذا تعدّت كانت بمعنى الايضاح والإظهار، واذا لزمت كانت بمعنى الاتضاح والظهور، يقال: بان الأمر واستبان وتبيّن، أي اتضح وظهر.
ومعنى الآية: يا أيهّا الّذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بخبر ذي شأن فتبينوا خبره بالبحث والفحص للوقوف على حقيقته، حذر أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا نادمين على ما فعلتم بهم.
وقد أجازت الآية الكريمة أصل العمل بخبر الآحاد، وهو من الأصول العقلانية التي يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعية الإنسانية، وأمر بالتبيّن في خبر الفاسق، وهو في معنى النهي عن العمل بخبره، وحقيقته الكشف عن عدم اعتبار حجيته، وهذا أيضاً كالامضاء لما بنى عليه العقلاء من عدم حجيّة الخبر الذي لا يوثق بمن يخبر به، وعدم ترتيب الأثر على خبره.
بيان ذلك: أنّ حياة الإنسان حياة علمية يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ما يشاهده من الخير والشر والنافع والضّار والرأي الذي يأخذ به فيه، ولا يتيسّر له ذلك إلاّ فيما هو بمرأى منه ومشهد، وما غاب عنه مما تتعلّق به حياته ومعاشه أكثر مما يحضره وأكثر، فاضطرّ إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة والنظر، ولا طريق اليه إلاّ السمع وهو الخبر.
فالركون إلى الخبر بمعنى ترتيب الأثر عليه، عملاً، ومعاملة، مضمونه معاملة العلم الحاصل للانسان من طريق
المشاهدة، والنظر في الجملة مما تتوقّف عليه حياة الإنسان الاجتماعية توقّفاً ابتدائياً، وعليه بناء العقلاء ومدار العمل.
فالخبر ان كان متواتراً أو محفوفاً بقرائن قطعية توجب قطعية مضمونه كان حجة معتبرة من غير توقّف فيها، فان لم يكن متواتراً، ولا محفوفاً بما يفيد قطعية مضمونه، وهو المسمّى بخبر الواحد اصطلاحاً، كان المعتبر منه عندهم ما هو الموثوق به بحسب نوعه، وان لم يفده بحسب شخصه، وكل ذلك لأنّهم لا يعملون إلاّ بما يرونه علماً، وهو العلم الحقيقي، أو الوثوق والظّن الاطمئناني المعدود علماً عادة.
إذا تمهّد هذا فقوله تعالى في تعليل الأمر بالتّبين في خبر الفاسق: {أن تُصيبوا قوماً بجهالة}، يفيد انّ المأمور به هو رفع الجهالة، وحصول العلم بمضمون الخبر، عندما يراد العمل به، وترتيب الأثر عليه، ففي الآية اثبات ما أثبته العقلاء، ونفي ما نفوه في هذا الباب، وهو امضاء لا تأسيس.
وبالتأمّل في الآيات الكريمة التي تحدّثت عن الخبر والاشاعة والاراجيف والتضليل والحرب الدعائية المضادة التي تستهدف ارباك الرأي العام، وتضليل الإنسان، وهدم التماسك السياسي والفكري والاجتماعي والنفسي للمجتمع، نستطيع أن نستنتج عدّة حقائق أساسية في هذا الشأن، واذن فلنعد قراءة الآيات، والوقوف أمامها مرّة أخرى:
{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً}.
{لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمُرجفُون في المدينة لنُغرينّك بهم ثم لا يُجاورونك فيها إلاّ قليلاً* ملعونين اين ما ثقُفوا أُخذوا وقتّلوا تقتيلاً* سُنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً}.
{لو خرجوا فيكّم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكُم يبغونكُم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين* لقد ابتغوا الفتنة من قبلُ وقلّبوا لك الامور حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون}.
{ يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تُصيبوا قوماً بجهالة فتُصبحوا على ما فعلتُم نادمين}.
انّ قراءة هذه الآيات والتفحّص فيها يوصلنا إلى عدّة قضايا أساسية هي:

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com