قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون
المعنى العام الآيات (1 ـ 6)
بالمقارنة بين اتجاهين وفريقين من الناس .. بالمقارنة بين هوياتهم وأعمالهم ومواقفهم من الرسالة بدأ الوحي هذه السورة من غير تقديم ولا تهيئة للذهن المخاطب ، لتكون الصورة أكثر إثارة وتأثيراً في نفس المتلقي .. بدأ حديثه الحاسم عن أولئك الذين كفروا برسـالة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدّوا الناس .. حالوا بينهم وبين الإيمان والتصديق بالدعـوة .. أولئك استحقوا أن يبطل الله أعمالهم ، فلا قيمة لها ، تلك التي يمكن أن تقاس بمقياس الخير من أفعال الإنسان .. فإنّ الجزاء على الخير هو في يوم الجزاء ، ومن ربّ الجزاء ، وقد كفروا بكل ذلك فأنّى لهم الاستحقاق إذاً .. والقرآن كان قد تحدّث مرّات عديدة في إبطال واحباط أعمال هذا الصنف من الناس ، وأوضح : (إنّما يتقبّل الله من المتقين ) (5) ، ليؤكِّد أنّ قبول العمل مرتبط بالإيمان ، وانّ من يكفر بالله، وبدين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا قيمة لأعماله التي يعملها ، وإن كانت خيراً ، كمساعدة الضعيف ، وصلة الرحم ، والدفاع عن صاحب الحق ، التي كثيراً ما يقوم بها من لا يؤمن بالله سبحانه . أمّا الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات ، وصدّقوا بالرسالة ، وآمنوا بما نزّل على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، من الوعد بعالم الآخرة وما جاء به، من عبادات، ودعوة إلى فعل الخير والإصلاح، وذلك هو الحق .. أولئك اسـتحقوا بهذا الإيمان والعمل أن يغفر الله لهم ما ارتكبوا من سيئات ، وهو مطابق لقوله تعالى : (اتبع السيِّئة الحسنة تمحها ) . ويعلِّل القرآن سبب استحقاق الفريقين لما استحقوه .. يعلِّله بالمنهج الذي اتّبعه كل فريق منهم .. منهج الباطل ومنهج الحق .. قال تعالى : (ذلك بأنّهم اتّبعوا الباطل وانّ الّذين آمنوا اتّبعوا الحق من ربِّهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) . وذلك مثلهم ، تلك صفة أعمالهم .. ذلك بيان طبيعة أعمالهم وعلاقتها بالاستحقاق يوضحها الله لهم . ويفيد المفسِّرون أنّ القرآن عنى بالفريق الأوّل أهل مكّة الذين كفروا ، ومنعوا الناس من الايمان ، وعنى بالفريق الثاني الأنصار الذين آمنوا ونصروا الدعوة .. * * * )فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإمّا منّاً بعد وإمّا فداءً حتى تضع الحرب أوزارها ... ) . وبعد أن تحدّث القرآن عن الفريقـين ، انتقل إلى الحديث عن القتال ، والدعوة إلى استعمال العنف ضدّ أولئك الطغاة الذين وقفوا سداً في طريق الحق وهداية الإنسان .. أولئك أعـداء الله والانسان ، وقد استنفدت معهم كل وسائل الفكر والحوار والمنطق ، واُعطوا من فسحة الزمن ما يكفي لتفهم الدعوة وقيمها .. وفي هذه الآية تحدّث القرآن عن القـتال ، وعن أحكام الأسر والأسرى .. فالأسر والأسرى نتيجة طبيعية للحرب .. ورغم هذا الهجوم على المجرمين الطغاة والأمر بمقاتلتهم ، فانّ هذا المجرم أصبح أسيراً ، والأسير إنسان مغلوب ، قد فقد القدرة على الدفاع عن نفسه ، وأصبح في وضع آخر ، اتسعت له رحمة الله باعطائه فرصة للاستماع إلى كلمة الحق، وتقييم موقفه مرة اخرى ، لعلّه يتّعظ ، ويكتشف ما كان غامضاً عليه فيؤمن .. إنّه أسير بيد المسلمين ، وطليق حر من سيطرة الطغاة ، قد فتح أمامه باب الحرية .. والقرآن يوضح في هذه الآية إنّ العدو إنْ كثر في صفوفه القتل والجراح وظفر المسلمون بهم .. وجب أسرهم والاحتفاظ بهم حتى تنتهي الحرب .. فيكون الإمام مخيراً بين أن يمّن عليهم باطلاق سراحهم من غير مقابل مالي ، أو بفداء من الأموال ، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسرى بدر من المشركين ، إذ أطلق سراحهم بفداء مالي . وينبغي أن نشير هنا إلى ان هناك آيات عديدة تحدّثت عن القتال والأسرى .. وهناك تفصيلات في كتب الفقه لهذا الموضوع فلتراجع في مظانها . ثم يلفت القرآن الأنظار إلى فلسـفة الحرب والقتال ، فيؤكِّد انها جزء من عملية الاختبار والابتلاء فيوضِّح ذلك بقوله : (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ... ) . يؤكِّد القرآن إنّ الله قادر على أن ينتقم من الطغاة وأعداء الحق بغير قتال ، غير أنّ الالزام بقتال المجرمين جرى لحكمة إلهية ، تكمن في اكتشاف حقيقة الانسان ، ليُعرف من يقف إلى جنب الطاغوت ممّن يقاومه ، ويصدق في المقاومة والوقوف إلى جنب الحق ، لذا كُلِّف الإنسان بمسؤولية التغيير والإصلاح ومقاومة الظلم والجريمة .. إنّ مقاومة الطاغوت هي جزء من نظام الحـياة .. فالحرب والسلم ظاهرتان طبيـعيتان في حياة الإنسان .. واستقراء التأريخ يؤكد المقولة العسكرية والسياسية التي يثبتها القادة العسكريون والسياسيون .. إنّ الأصل في الحياة هي الحرب ، وليس السلام إلاّ فترات استعداد للحرب .. ولم يكن القرآن يدعو للحرب ، بل دعا إلى عقيدته وشريعته وقيمه بأدلّة العقل والعلم لانقاذ الإنسان ، ولجأ إلى القـتال لحماية الإنسان المستضعف ، ولضرب قوى الطاغوت ولإقرار الحق والعدل والهدى في ربوع الأرض . وفي الحرب والقتال فريقان : فريق يدافع عن الحق، وفريق يصرّ على الباطل والطغيان .. إنّ الذين يقاتلون ، أو يقتلون في سبيل الله ، فلن يضلّ الله أعمالهم ، لن تضيع سدى تلك الاعمال ، كما أضلّ أعمال الكافرين ، بل سيهديهم الله إلى الجنان والنعيم وسيصلح بالهم .. سيصلح احوالهم في عالم النعيم ، كما اصلح شأنهم وحالهم في عالم الدنيا .. إنّ هذا الجزاء : الجنان والنعيم واضح مُعرّف للإنسان الذي اختار هذا الطريق ، فهو يتحرّك وينطلق في الجهاد ، وقد وضح أمامه الدرب والجزاء ، فامتلأت نفسه شوقاً إلى ذلك العالم الواضح المعروف لديه ، فهو لا يسير في الظلام ، ولا يلف حركته الغموض والقلق . * * *
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|