قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (7 ـ 15)

وبعد أن دعا القرآن المؤمنين للقتال ووعدهم بالجنة .. يعدهم في هذه الآية بالنصر وتثبيت الأقدام .. ويتحدّث في هذه الآية عن سنّة من سنن الله سبحانه ، وهي أنّ مَن ينصر الله ينصره ، وذلك وعد حق ..
ثم يعود القرآن للمـقارنة بين الفريقـين ، كما بدأ ، فيصف أعمال الكافرين وموقفهم بالبطلان والخسران ، ودعا عليهم بقوله : (تعساً لهم ) . والتعس هو استمرار الانتكاس والانكسار والتسافل ، وأن لا ينهضوا من عثرتهم ، أو ينتعشوا من الانتكاسة ، وهو تعبير عن الاهانة والاحتقار .
(ذلك بأ نّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) .
انهم استحقوا التعاسة وبطلان العمل والخسران بسبب كراهيتهم لما أنزل الله، وإعراضهم عن الحق .
(أفلَم يسـيروا في الأرضِ فينظروا كيفَ كان عاقبة الّذين من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) .
وبعد أن أتمّ القرآن حديثه عن أولئك العصاة الطغاة، وإعراضهم عن الحق ، وجّه التنبيه إليهم من غير أن يخاطبهم ، وكأنه احتقار لهم ، واهمال لوجودهم ..
دعاهم إلى السير في الأرض ، والتأمّل في آثار الأمم والشعوب الماضية التي حدّثهم عنها طويلاً.. تلك الأمم البائدة التي دمّر الله عليهم بكفرهم وطغيانهم وفسادهم ; ليكتشفوا انّ سبب هلاك تلك الأمم هو الكفر والجريمة والفساد ; وليتّعظوا وليعرفوا أنّ ذلك القانون الإلهي، الذي سحق تلك الحضارات والأقوام الجاهلية سيجري عليهم، وسيسحقهم ويدمِّر وجودهم ..
وقد حدث ذلك، فلقد انتهى الوجود الجاهلي، وحلت محلّه الحضارة الإسلامية والحياة الإسلامية.. ثم يتابع القرآن بيانه معرِّفاً أنّ الله هو مولى المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، وهو ناصرهم ، وأعدّ لهم حسن الجزاء في جنات الخلد والنعيم .. انهم استحقوا هذا الجزاء بالعمل الصالح ، بالسلوك المستقيم ، بعمل الخير والمعروف .. وذلك هو موجب البقاء على هذه الأرض ، والاستخلاف فيها .
أمّا الذين كفروا، فلم يصدر عنهم سوى الشر، وغير اهتمامهم بالأكل والمتع والشهوات الحيوانيـة .. فانّهم يأكلون ويتمتـعون كما تأكل الحيوانات .. وتلك مقارنة أخرى بين الفريقين فريق الإيمان الذي جعل همّه العمل الصالح ، والاستقامة في الحياة ، وفريق الكافرين الذي جعل همه همّاً حيوانياً .. فذاك يرتقي ويتسامى بالقيم الإنسانية ، وهذا يتسافل وينحط نحو الحيوانية ، فحق ان تكون النار موضعاً لإقامتهم ، في حين كانت الجنان مأوى الصالحين .
* * *
)وكأيِّن من قرية هي أشدّ من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ) .
ويذكر المفسرون أن كل آيات هذه السورة مدنية، عدا هذه الآية فانّها مكية ، نزلت على رسول الله وهو خارج من مكة في طريقه مهاجراً إلى المدينة ، يوم قرر المشركون قتله ..
إنّ الروايات تفيد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من مكة وقلبه متعلِّق بالكعبة ، خرج وهو ينظر إلى البيت الحرام .. خرج باكياً على فراق البيت الحرام ، فخاطبه الوحي بهذه الآية ، وطمأنه بأنّ الذين أخرجوك من مكة سينالهم الانتقام ، كما نال أمماً سالفة ارتكبت جريمة الكفر والطغيان ، كانت أشدّ قوة من أهل مكة الذين أخرجوك .. فلم يدفع أحد عنهم ذلك الدمار والفناء .
(أفمن كان على بيِّنة من ربِّه كمن زيّن له سوء عمله واتّبعوا أهواءهم ) .
وفي هذه الآية يثبت القرآن فرقاً آخر بين المؤمن والكافر في معرض المقارنة بينهما .. فالمؤمن ينطلق في عقيدته وإيمانه بالله سبحانه وحركته وسلوكه ومواقفه من الوعي والبيِّنة ، من الدليل والبرهان واليقين ، في حين ينطلق الفريق الآخر من الأهواء ومخادعة النفس .. جاءت الآية بصيغة السؤال الاستنكاري .. كيف يتساوى مَن يحدِّد عقيدته وموقفه على أساس الوعي والدليل والبرهان مع مَن يحدِّد موقفه بدافع هوى النفس والشهوة ومخادعة الذات بتحسين القبيح وتزيينه .
(مثل الجنّة التي وعد المتّقون ... ) .
وفي هذه الآية يعود القرآن مرّة أخرى للحديث عن الجنة ووصفها ، وما يستحقه المتقون فيها ..
إنهم استحقوا المغفرة ، والجنان الحافلة بألوان الثمار والأنهار ..
الأنهار تجري بالماء العذب الذي لا يتغيّر طعمه ، والأنهار التي تجري بالخمر ، الخمر الذي ليس فيه ما يسكر ، أو يزيل العقل ، بل لذّة ومتعة للشاربين .
وتجري الى جنب تلك الأنهار أنهار العسل المصفّى ..
تلك صورة رائعة الجـمال تشكلها مجاري الأنهـار .. أنهار المـياه والخمر والعسل .. تظلِّلها الجنان وألوان الشجر والثمار.. ويغمر كل ذلك الجو الجمالي المليء بالفرح والسرور.. يغمرهُ العفو الإلهي ومغفرة الرحمن ..
وإذا كان هذا هو جزاء من كانوا على بيِّنة من ربهم ، وعملوا الصالحات ، فانّ جزاء الذين كفروا هو النار ، وما يقطّع أمعاءهم من الجحيم والعذاب .. فهل يستوي الفريقان ..
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com