قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (20 ـ 30)

(ويقول الّذين آمنوا لولا نزلت سورة ... ) .
وفي هذه الآية يصوِّر لنا القرآن انتظار المؤمنين للوحي ، وتشوّقهم لاستقبال المزيد منه ليزدادوا معرفة وإيماناً وعملاً .. وحين يأتي الوحي ، وينزل الله سبحانه آية محكمة ، محددة المعنى والدلالة يأمرهم فيها بالقتال ، فإذا فريق ممّن يدّعون الإيمان ، ويتظاهرون به تتكشف حقيقتهم، تتكشف حقيقة أولئك الذين في قلوبهم مرض ، عندما يستقبلون الآية الآمرة بالقتال بالفزع والخوف ، وكأنّ الموت قد أحاط بهم ، وهم يعانون من سكراته في ساعة الاحتضـار .. ويصوِّر القرآن صورة الجبن والانهيار .. ذلك المنظر المزري بقوله : (ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) .
وتلك الآية تشخِّص حقيقة كبرى في عالم الإنسـان ، وهي أنّ الإنسان لا تُعرف حقيقته إلاّ بالتماس مع المواقف ، وساعات الشدّة والعسرة والاختبار ..
أولئك الذين صوّرهم القرآن في موضع آخر بقوله : (أشحّة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالّذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحّة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً )الأحزاب / 19 .
ويعقِّب القرآن على هذا الموقف الجبان بقوله : (فأولى لهم ) .. وكلمة أولى ، كما يقول اللغويون ، هي كلمة تهديد ووعيد ولعن ، وتعني : أولى لك ما تكره ، أنت مستحق له .
وواصل آخرون من المفسِّرين قراءة السياق متكاملاً فقرأوه متحداً كالآتي : (فأولى لهم طاعة وقول معروف ... ) .
لذا فسّروها بقولهم خير لهم الطاعة لله والرسول ، والقول المعروف بالاستجابة إلى ما تأمرهم به الآية .. فخير لهم أن يصدِّقوا الله إذا جدّ الجدّ ، واتخذ قرار الحرب من ذلك الموقف الجبان السيِّئ .
ويواصل القرآن خطابه لأولئك المنافقين بقوله : (فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم ) .
وفي تلك الآية توبيخ لهم، وكشف لحقيقتهم المستبطنة .. ودلالة الخطاب : أيها المنافقون الجبناء المتخاذلون عن القتال ، الناكصون عن مواجهة الطغاة في ساحات القتال ، هل يتوقع منكم ، إن أعرضتم عن الاستجابة لكتاب الله ان تفسدوا في الأرض بالقتل وسفك الدماء والتخريب وقطع الأرحام ..
ثم يعقب القرآن بقوله : (أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم ) .
وحقّ أن يلعن القرآن أولئك المنافقين المفسدين في الأرض ، الذين ينشرون الجريمة والفساد .. ويصدون الناس عن الهدى ، ويسفكون الدماء ويمتهنون الإنسان .. أولئك صُمّت آذانهم فلم تسمع كلمة الحق ، وعَميت أبصارهم فلم يروا مواقع الخير والشر ، يسيرون متخبطين ، كما يسير الأعمى على غير هدى في متاهات الدروب .
* * *
)أفلا يتدبّرون القرآن ام على قلوب أقفالها ) .
وفي هذه الآية دعوة إلى التفكّر والتأمّل في آي القرآن ومحتواه ، وفهمه فهماً عقلياً ، فِلمَ لا يتفكّرون في هذا القرآن ، أعلى قلوبهم أقفال ، فهي مغلقة لا تفتح ، ولا تتحرّك للتدبّر في معاني القرآن ومحتواه ، أو هم الذين أغلقوا قلوبهم وعقولهم .. ؟ انّهم لو تفكّروا ووعوا ما في القرآن من فكر ومعرفة وهدي وأحكام لاهتدوا ، ولما كذّبوا وصدوا عن الدعوة والنبوّة .
(إنّ الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى ، الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا ... ) .
وفي هذه الآية يتحدّث القرآن عن أولئك الذين ارتدّوا وتراجعوا عن الإسلام بعد أن تبيّن لهم الهدى ، وعرفوا الطريق .. انّ سبب هذا الارتداد هو تزيين الشيطان لأولئك المنافقين أعمالهم .. إنّه أغراهم وخدعهم بطول الأمل والطمع في الدنيا ، فأطاعوه وارتدّوا عن الإسلام بعد وضوحه لهم .. ويفسر القرآن تلك الاستجابة بأنّ المغرين للمنافقين ، هم اليهود ، إنهم قالوا لهم : (سنطيعكم ببعض الأمر ) .
سننفِّذ لكم بعض طلباتكم ورغباتكم، ونقف إلى جانبكم إن أنتم تراجعتم عن الإسلام ، فخدعوهم وأغروهم بهذا القـول .. إنّ هذا الاغراء والعمل السرِّي الهدّام ضدّ الرسالة ونبيِّها لم يكن ليخفى على الله سبحانه ، فهو يعلم سرّهم ونجواهم .
ليتفكّروا بالمصير فإنّهم مقبلون على الموت .. فكيف إذا استقبلتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم .. إنّهم استحقوا بذلك العذاب المهين بأنهم اتبعوا ما أسخط الله .. اتبعوا المعاصي ، وكرهوا رضوان الله ، فأبطل الله أعمالهم .
(أم حسب الّذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) .
أيظنّ أولئك المنافقون الذين في قلوبهم مرض ، الذين ارتدوا عن الإيمان في أعماق نفوسهم .. أيظنّ أولئك أنّ الله لا يفضحهم ، ولا يكشف ما في نفوسهم من أحقاد وعداء للرسول والدعوة والرسالة .. لقد فضحهم القرآن ، وكشف نيّاتهم السيئة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثم يخاطب القرآن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بانّ الله عالم بما تنطوي عليه نفوسهم الشريرة ، ولو شاء الله لكشفهم وعرّفهم لك بأشخاصهم وأفعالهم .. (فلعرفتهم بسيماهم ) ..
لعرفتهم يا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعلامات والصفات التي يتصفون بها، صفات المنافق الخادع .. ومن سـيماهم اللّحن في القول .. فانّ ما يصدر عنهم من ألفاظ وعبارات تنطوي على التعريض بالمؤمنين ، ليُعرِّفك بحقيقة ما تحمل أنفسهم .. واذا كان الخوف والنفاق يمنعهم من التصريح بما في نفوسهم ، فإنّ فحوى كلامهم تكشف لك وللمؤمنين حقيقتهم .
(إنّ الله يعلم أعمالكم ) ..
لا يخفى عليه شيء ، فهو يعلم المخلص من المنافق في عمله .. إنّ المنافق يستطيع أن يخدع الناس بظاهره ولكن الله عالم بحقيقة سرّه وقصده .
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com